ہâٍîہâٍîىàٍèçàِèےہًُèٍهêًٍَàہًٌٍîيîىèےہَنèٍءèîëîمèےءَُمàëٍهًèےآîهييîه نهëîأهيهٍèêàأهîمًàôèےأهîëîمèےأîٌَنàًٌٍâîؤîىؤًَمîهئًَيàëèٌٍèêà è رجببçîلًهٍàٍهëüٌٍâîبيîًٌٍàييûه ےçûêèبيôîًىàٍèêàبٌêٌٌٍَâîبٌٍîًèےتîىïü‏ٍهًûتَëèيàًèےتَëüًٍَàثهêٌèêîëîمèےثèٍهًàًٍَàثîمèêàجàًêهٍèيمجàٍهىàٍèêàجàّèيîًٌٍîهيèهجهنèِèيàجهيهنوىهيٍجهٍàëëû è رâàًêàجهُàيèêàجَçûêàحàٌهëهيèهخلًàçîâàيèهخًُàيà لهçîïàٌيîٌٍè وèçيèخًُàيà زًَنàدهنàمîمèêàدîëèٍèêàدًàâîدًèلîًîًٌٍîهيèهدًîمًàىىèًîâàيèهدًîèçâîنٌٍâîدًîىûّëهييîٌٍüدٌèُîëîمèےذàنèîذهمèëèےرâےçüرîِèîëîمèےرïîًٍرٍàينàًٍèçàِèےرًٍîèٍهëüٌٍâîزهُيîëîمèèزîًمîâëےزًَèçىشèçèêàشèçèîëîمèےشèëîٌîôèےشèيàيٌûصèىèےصîçےéٌٍâîضهييîîلًàçîâàيèه×هً÷هيèهفêîëîمèےفêîيîىهًٍèêàفêîيîىèêàفëهêًٍîيèêàقًèٌïَينهيêِèے

بسم الله الرحمن الرحيم

×èٍàéٍه ٍàêوه:
  1. أبو عبد الرحمن الأثري
  2. بسم الله الرحمن الرحيم
  3. بسم الله الرحمن الرحيم
  4. بسم الله الرحمن الرحيم
  5. بسم الله الرحمن الرحيم
  6. بسم الله الرحمن الرحيم
  7. كتبه: أبو عبد الرحمن الأثري

المقدمة

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب وجعله هادياً ونذيراً ، ومرشداً لمن تمسك به واعتمد عليه في موالاته ومعاداته ، فهو له سراجاَ منيراً ، وأوجب فيه مقاطعة أهل الشرك ، ومن كان لهم مؤيداً ونصيراً ، والصلاة والسلم على أشرف خلقه ، وخيرة رسله محمد e الذي مزق الله بمبعثه ظلام الكفر ، وجعل من هديه مباينة الشرك والمشركين جملةً وتفصيلاً ، وعلى آله وأصحابه الذين تحابوا في الله حباً أرغموا به أُنوف الأعداء وجاهدوا به الكفار والمنافقين جهاداً كبيراً ، وتميزوا به عن أهل الضلال ، فلم يرضوا منهم بأنصاف الحلول سبيلاً.

أما بعد : فإن أصل دين الله هو التوحيد ، قال تعالى : )وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ(سورة النحل : (36) ، وقد فهم عُتاة الكافرين حقيقة دعوة الأنبياء والرُسل أكثر من المسلمين المزعومين اليوم ، فها هم مشركوا قُريش يُبدون عجبهم من هذه الحقيقة)أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ(سورة ص : (5) ، فالكفار فهموا أن دعوة رسولهم الجليلة ليست إلى عبادةٍ الله ولكن إلى عبادة الله وحده والكفر بكل معبود سواه، فعبادة الله وحده لا تتحقق إلاَّ
بالاجتناب والكفر بمن تعدى على ربوبية أو إلهية من له الخلق والأمر ، والإنسان لا يصير مؤمناً بالله إلاَّ بالكفر بالطواغيت ومعاداتهم ومعاداة كل الصفات الطاغوتية وأهلها ومن يُروج لها من
أهل الردّة والنفاق .

وتأمل حال رسول الله e لما قام يُنذر المشركين عن الشرك ويأمرهم بضده وهو التوحيد، لم يكرهوا واستحسنوا ، وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه ، إلى أن صرح بسب دينهم وتجهيل علمائهم، فحينئذٍ شمروا لهُ ولأصحابه عن ساق العداوة، وقالوا: سفه أحلامنا، وعاب ديننا،وشتم آلهتنا .

وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين وتابعيهم ، وجميع المسلمين سلفاً وخلفاً ، أن المرء لا يكون مسلماً إلاَّ بالتجرد من الشرك الأكبر والبراءة منه وممن فعله ، وبُغضهم ومعاداتهم ، بحسب الطاقة
والقدرة والإمكان .

أما في هذا الزمان فقد تغلغل الفكر الإرجائي في الأمة ، حتى غدا الإيمان قولاً والتوحيد شعاراً ، والإسلام إرثاً وانساباً ، واندثرت معالم الولاء والبراء ، وصادف هذا الفكر قلوباً خاوية ، فاستحكم من القلوب والعقول وفي حياة البشر ، فترك الناس الفرائض والواجبات والسُنن ، واكتفوا بقول : لا إله إلاَّ الله ، وظنوا أن دينهم محفوظ ، وإسلامهم مصون ، وإيمانهم لا غُبار عليه .

فهم يؤمنون برب واحد للكون ، لا يعتقدون بالتثليث ، ويعرفون أن الله ربهم وخالقهم ورازقهم، ويؤمنون ـ على حدِّ زعمهم ـ باليوم الآخر والحساب والعقاب والجنَّة والنار ، وقد يؤدي بعضهم صلاة الجمعة والعيدين ، وقد يصوم البعض الآخر شهر رمضان أو بعض أيامٍ منه ، وقد يعتمر البعض الآخر ويحج بيت الله الحرام ، ويظنون أنهم على خير وعلى جادّة الطريق ، والكثير ممن ينتسب إلى هذا الدين يعتقد النفع والضر بيد بعض الأولياء والصالحين ، فيتوسل بهم ، ويستغيث ، وينذر لهم ، ويحلف باسم الواحد منهم ، ويظنون أنهم على خير ما داموا يقولون لا إله إلاَّ الله .



وقد سرت أحاديث :" من قال لا إله إلاَّ الله دخل الجنَّة" و " أخرجوا من النار من قال لا إله إلاَّ الله " وما شابه ذلك ، حتى سرت هذه الأحاديث في العامة سريان النار في الهشيم ، فأتت على الأخضر واليابس ، وظن أكثر المنتسبين إلى الملة أن النطق بالشهادتين يكفي في إثبات صفة الإسلام ودخول الجنان وإن تركوا الصلوات وفعلوا المنكرات : كالاستهزاء بالله ورسوله وآياته ، وأشركوا بالله ما لم يُنـزل به سلطانا ، ووالوا أعداء الله من اليهود والنصارى والملحدين ، وحكَّموا في الناس الشرائع الكفرية والقوانين الوضعية الجاهلية ، وامتنعوا عن بعض شرائع الإسلام الظاهرة وحاربوها ، مثل الجهاد في سبيل الله ، كما هو حاصل في بلاد المسلمين اليوم ، ولا يخفى ذلك إلاَّ على جاهل أو مُعاند خبيث يُجادل عن هؤلاء الطواغيت ، نشأ على ذلك الصغير ، وهرم عليه الكبير ، حتى صار في عُرف العامة ومعتقدهم وعند بعض الدُعاة وعلماء السلاطين أن هذا هو الوضع السليم .

ومنهم من ينتسب إلى أئمة الدعوة المباركة ، ولو نظر أئمة الدعوة إلى حالهم لتبرأوا منهم ، لذا نقلت كلام أئمة الدعوة في هذه الرسالة حتى لا يلتبس الحق بالباطل ، وأوضحت كلامهم في المسائل المهمة في التوحيد ، والفرق بين أئمة الدعوة وهؤلاء القوم أن أئمة الدعوة عاملين بعلمهم ويُطبقون على واقعهم الأحكام الشرعية لا تأخذهم في الله لومة لائم ، خلافاً لهؤلاء القوم فلا تطبيق على واقعهم البتة ، والذي يُنكر منهم لا يُنكر حتى يُسأل ، خلافاً لأئمة السلف رحمهم الله تعالى .

اللهم إنا نشكوا إليك ظلم الطواغيت ، وزندقة المنافقين ، وكل لسان مسموم ، وقلم مأجور ، ونشكوا إليك كُل محرف ومُبدل ، وكُل ساكت عن الحق ، أو مُتكلم بالباطل .

وأسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال ، فإن كان في هذه الرسالة من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان والله ورسوله منهُ بريئان ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ، والحمد لله ربّ العالمين .

‡àمًَçêà...

 

أبو عبد الرحمن الأثري

سلطان بن بجاد العتيبي

25 / 4 / 1422 هـ


الباب الأول : في وجوب إتباع الكتاب والسُنّة[1]

 

إن الواجب على جميع العباد امتثال أمر رب الأرض والسماوات ، وأمر المبعوث رحمة للعباد ، وطرح كل قول يخالف الكتاب والسنة دون شقاق أو عناد ، فإن ذلك تمام الانقياد الذي هو شرط من شروط لا إله إلا الله .

فلا توحيد إلا بطاعة الله ورسوله ، ولا فوز ولا فلاح إلا بتقديم الكتاب والسنة على آراء الرجال ، التي هي محط أنظار قابلة للردَّ والقبول ، وما من أحد إلا ويؤخذ من قولهِ ويُرد سوى المبعوث بالفرقان ، وما من إمام من الأئمةِ إلاَّ ولهُ أقوال مرغوب عنها عند أولي النُّهى والأَبصار ، فالسعيد من تمسَّك بالوحيين وإن جفاه الطغام ، والشقي من نبذهما من أجلِ التمسُّك بآراء الرِّجال .

ـ قال سهل بن عبد الله : ( عليكم بالأثر والسُّنَّة ، فإني أخاف أنهُ سيأتي عن قليلٍ زمان إذا ذكر إنسان النبي e ، والإقتداء بهِ في جميع أحوالِهِ ذمّوه ونفروا عنه وتبرؤوا منه ، وأذلُّوه وأهانوه ) .

ـ قال العلاَّمة سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله : ( رَحِمَ اللهُ سهلاً ما أصدق فِراستهُ ، فلقد كان ذلك وأَعظم ، وهو أَن يُكفَّر الإنسان بتجريد التَّوحِد والمتابعة ، والأمر بإخلاص العبادة لله ، وترك عبادة ما سِواه والأمرُ بِطاعة رسول الله e ، وتحكيمه في الدَّقيق والجليل )[2] .

وقد أمرنا الله جلَّ وعلا بطاعة رسوله في نحو ثلاثة وثلاثين موضِعاً من كتابه[3] فلا يحل مخالفتها إذ إنهُ عين الضلال وعين المحادَّة لله ورسوله e .

وقد أقسم الله بنفسه في سورة النساء أَنهم لا يؤمنون حتَّى يُحكِموا النَّبيَّ الأُمِّيَّ في الصغيرِ والكبير في جميع الأمور ، فقال تعالى : )فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا( النساء : (65) .

والله تبارك وتعالى لم يُوجب على أَيِّ فردٍ من الناس طاعة شخص بِعينه إلا رسول الله e ، قال تعالى : )وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ( سورة آل عمران : (132) . فهذه الآية يأمر الله تعالى بها عباده أن يطيعوه ويطيعوا رسوله e والأَمر يقتضي الوجوب على الصحيح إلا لصارف ولا صارف له هنا ، بل الآيات كثيرة تؤكد هذا الوجوب ، ثم إنهُ من المعلوم إذا ثبت أَن الأمر يدل على الوجوب أَن مخالفه آثم وعاصٍ لله ورسوله e ، لأَن مخالفة الأمر معصية ، قال تعالى : )فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( سورة النور : (63) ، فرتب الله على مخالفة الأمر الفتنة أو العذاب الأليم .

ـ قال الإمام أحمد رحمه الله : ( أَتدري ما الفتنة ؟ الفتنة الشرك لعله إذا ردَّ بعض قوله أَن يقع في قلبهِ شيء من الزيغ فيهلك ) .

قال تعالى : )قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ(سورة النور : (54) . فهذه الآية فيها الأمر من الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله e ، ثم إن الله تعالى قال : )وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا( فلا يحصل الاهتداء إلا بطاعته لأَن الآية فيها فعل الشرط وجوابه ولا يحصل جواب الشرط إلا بفعله فإن تخلف فعل الشرط تخلف جوابه ، فعلى هذا لا يحصل اهتِداء إلا بطاعته فإن وِجِدت الطاعة حصل الاهتداء وإلا فلا ، ولذلك رتب الله على طاعته وطاعة رسوله الفوز والفلاح في سورة الأحزاب فقال تعالى : )وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(سورة الأحزاب : 71. وقال تعالى حاكماً بالضلال المبين على من عصاه وعصى رسوله: )وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا( سورة الأحزاب : (36) .

وقال تعالى ، آمراً لنا بأخذِ أَقوال الرسول e وتلقيها بالقبول دون توقف : )وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا( سورة الحشر : (7) .

وأما الأحاديث الدالة على وجوب طاعة الرسول والأخذ بسنته e فهي كثيرة جداً .

منها : ما ثبت في البخاري ومسلم من حديث أنس أن النبي e قال :"من رغب عن سنتي فليس مني" ، وأيضاً ما ثبت عند البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي e قال :"كل أُمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ، فقالوا يا رسول الله من يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" .

^ ^ ^ ^ ^


فصل : في إنكار السلف لمن خالف الأحاديث بالآراء

 

كان السلف رضوان الله عليهم يشتد نكيرهم على من خالف الأحاديث بالآراء والتعسُّفات المريضة ، وربما هجروه تعظيماً للسنة وتوقيراً لها ، فروى مسلم في ( صحيحه ) عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال : ( سمعت النبي e يقول :" لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها " قال : فقال بلال بن عبد الله : والله لنمنعهنَّ ، قال فأقبل عليه عبد الله فسبَّه سبّاً سيئاً ، ما سمعته سبَّه مثله قط ، وقال أُخبرك عن رسول الله وتقول والله لنمنعهنّ ) .

وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مغفل أَنه رأى رجلاً يخذف فقال له : ( لا تخذف ، فإن رسول الله e نهى عن الخذف ـ أو كان يكره الخذف ـ وقال :"إنه لا يصاد به صيد ولا ينكأ به عدو ، ولكنها قد تكسر السِّنَّ وتفقأ العين" ، ثم رآه بعد ذلك يخذف فقال له : أُحدثك عن رسول الله e أنه نهى عن الخذف ـ أو كره الخذف ـ وأنت تخذف ؟! لا أُكلمك كذا وكذا ) .

وروى البخاري في ( صحيحه ) ( 3 / 475 ـ فتح ) عن الزبير بن عربي قال : سأل رجل ابن عمر رضي الله عنهما ، عن استلام الحجر ، فقال : رأيت رسول الله e يستلمه ويقبله ، قال قلت : أرأَيت إن زُحِمت ، أرأَيت إن غُلِبت ، قال ( اجعل أرأَيت باليمن ، رأيت رسول الله e يستلمه ويقبله ) ، قال الحافظ ابن حجر على قول ابن عمر : ( اجعل أرأَيت باليمن ) : وإنما قال له ذلك لأنه فهم منه معارضة الحديث بالرأي فأنكر عليه ذلك وأَمره إذا سمع الحديث أن يأخذ به ويتقي الرأي .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما لمن عارض السنة بقول أَبي بكر وعمر رضي الله عنهما : ( والله ما أَراكم منتهين حتى يعذبكم الله ، أُحدثكم عن رسول الله e ، وتحدثونا عن أَبي بكر وعمر ) .

ـ قال العلامة سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله : ( فإذا كان هذا كلام ابن عباس لمن عارضه بأبي بكر وعمر ، وهما هما ، فماذا تظنه يقول لمن يعارض سنن الرسول e بإمامه وصاحب مذهبه الذي ينتسب إليه ، ويجعل قوله عياراً على الكتاب والسنة ، فما وافقه قبله وما خالفه رده ، أو تأوَّله ، فالله المستعان .

وما أحسن ما قال بعض المتأخرين :

 

لمـا كان للآباء إلـيه ذهــابُ ويركب للـتأويل فـيه صعـابُ   فـإن جـاءهم فيه الدليل موافـقاً رضـوه وإلا قـيل هـذا مـؤول

 

ولا ريب أن هذا داخل في قوله تعالى)اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ(سورة التوبة: (31)) [4].

ـوقال أبو السائب : ( كنا عند وكيع : فقال لرجل عنده ممن ينظر في الرأي : أشعر رسول الله e ويقول أبو حنيفة هو مُثلَة ، قال الرجل: فإنه قد رُوي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مُثلة ، قال فرأيت وكيعاً غضب غضباً شديداً وقال : أقول لك قال رسول الله e وتقول قال إبراهيم ما أحقك بأن تحبس[5] ثم لا تخرج حتى تنـزع من قولك هذا )[6].

وهذا الذي ينبغي أن يفعل فيمن رام الوقوف أَمام النُّصوص ومعارضتها بقول فلان وفلان ، بحجَّة أَنه أعلم منك !!

وروى أبو يعلى في ( طبقات الحنابلة ) ( 1 / 251 ) عن الفضل بن زياد ، عن أحمد بن حنبل قال : ( بلغ ابن أبي ذئب ، أن مالكاً لم يأخذ بحديث :"البيعان بالخيار" فقال : ( يستتاب في الخيار فإن تاب وإلا ضربت عنقه ) ، ومالك لم يردَّ الحديث ولكن تأوله على غير ذلك …)

وهكذا ( كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله e برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحد من الناس كائناً من كان ، ويهجرون فاعل ذلك ، وينكرون على من يضرب لهم الأمثال ، ولا يسوِّغون غير الانقياد له والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة ، ولا يخطر بقلوبهم التوقُّف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان ، بل كانوا عاملين بقوله تعالى : )وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ( ، وبقوله تعالى : )فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (…. وأَمثالها .

فدُفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم : (( ثبت عن النبي e أنه قال كذا وكذا )) يقول : من قال بهذا ، ويجعل هذا دفعاً بصدر الحديث ، أو يجعل جهله بالقائل به حجة له بمخالفته وترك العمل به ، ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل … ولا يُعرف إمام من أئمة الإسلام البتة قال : لا نعمل بحديث رسول الله e حتى نعرف من عمل به فإن جهل من بلغه الحديث من عمل به لم يحل له أن يعمل به كما يقول هذا القائل )[7] . [8]


فصل : في ذم التقليد

اعلم أن التقليد هو قبول قول القائل من غير معرفة لدليله ، (ولا خلاف بين الناس أن التقليد ليس بعلم ، وأن المقلد لا يطلق عليه اسم عالم)[9]، ولذلك نهى العلماء رحمهم الله عن تقليدهم ، قال الأئمة رحمهم الله : ( كلٌ يؤخذ من قوله ويترك إلاَّ رسول الله e ) .

ـ قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله : (إذا جاء الحديث عن رسول الله e فعلى الرأس والعين ، وإذا جاء عن الصحابة رضي الله عنهم فعلى الرأس والعين ، وإذا جاء عن التابعين ، فهم رِجال ونحن رِجال) .

ـ وقال مالك : (كلنا رادٌ ومردود عليه إلاَّ صاحب هذا القبر) ، يعني رسول الله صلى الله
عليه وسلم .

ـ وقال الإمام الشافعي رحمه الله : (إذا صح الحديث فهو مذهبي) ، وقال : (إذا خالف قولي قول رسول الله e ، فاضربوا بقولي عرض الحائط) ، وقال : (أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله e ، لم يكن له أن يدعها لقول أحد) .

ـ وقال الأمام أحمد رحمه الله : (عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته ويذهبون إلى رأي سفيان ، والله تعالى يقول : )فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( سورة النور : (63) . ) ، وقال : (لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيثُ أخذوا ) .

ـ ويقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : ( يوشك أن ينـزل عليكم حجارة من السماء ، أقول قال رسول الله e ، وتقولون قال أبو بكر وعمر ؟! ) [10] .

ـ وقال الشيخ العلامة سليمان بن عبد الله رحمه الله : (بل الفرض والحتم على المؤمن إذا بلغه كتاب الله وسنة رسوله e وعلم معنى ذلك ، في أي شيء كان ، أن يعمل به ، ولو خالفه من خالفه ، فبذلك أمرنا ربنا تبارك وتعالى ، ونبينا e ، وأجمع على ذلك العلماء قاطبة ، إلا جهال المقلدين وجفاتهم ، ومثل هؤلاء ليسو من أهل العلم كما حكى الإجماع على أنهم ليسوا من أهل العلم أبو عمر بن عبد البر وغيره) [11] .

ـ وقال عبد الله بن مسعود t: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم) .

ـ وقال الإمام الأوزاعي t : (عليك بآثارِ من سلف وإن رفضك الناس ، وإياك وآراء الرِجال وإن زخرفوه لك بالقول) .


ـ ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ( ومن فقد الدليل ضلَّ السبيل )[12] .

ـ وقال ابن القيم رحمه الله :

لعـلى سبـيل العـفو والغفرانِ تحكيـم هذا الوحـي والقـرانِ لا كـان ذاك بمـنَّة الديــانِ   والله مـا خوفي الذنـوب وإنهـا لكنما أخشى انسلاخ القـلب عن ورضـاً بآراء الرجال وخرصِـها

 

^ ^ ^ ^ ^


مقتضيات الشهادة بالنبوة ولوازمها

ـ قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في شرحه لكتاب التوحيد : ( وقوله :" وأن محمداً عبده ورسوله" ، أي شهد أن محمداً عبده ورسوله ، أي بصدقٍ ويقين ، وذلك يقتضي اتباعه ، وتعظيم أمره ونهيه ، ولزوم سُنته e ، وأن لا تُعارض بقول أحد ، لأن غيره e يجوز عليه الخطأ ، والنبي e قد عصمه الله تعالى ، وأمرنا بِطاعته والتأسِّي به والوعيد على ترك طاعته بقوله تعالى :)وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (سورة الأحزاب : (36) وقال : )فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( سورة النور : (63) . قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى : (( أتدري ما الفتنة ؟ الفتنة الشرك ، لعلّه إذا ردّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ))[13]، وقد وقع التفريط في المُتابعة وتركها ، وتقديم أقوال من يجوز عليهم الخطأ ، على قوله e ، لا سيما من العلماء كما لا يخفى ) [14] .

ـ قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله تعالى : ( قال ابن رجب … فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه ، أوجب ذلك له أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله ، ويكره ما يكرهه الله ورسوله ، ويرضى بما يرضى به الله ورسوله ، ويسخط ما يُسخط الله ورسوله ، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحُب والبُغض ، فإن عمل بجوارحه شيئاً يُخالف ذلك ، بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله ، أو ترك بعض ما يُحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه ، دلَّ ذلك على نقص محبته الواجبة ، فعليه أن يتوب من ذلك ، ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة ، فجميع المعاصي تنشأ من تقديم هوى النفس[15] على محبة الله ورسوله… وكذلك البدع ، إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع ، ولهذا سُمي أهلُها أهل الأهواء ، وكذلك المعاصي إنما تنشأ من تقديم الهوى على محبة الله ومحبة ما يحبه الله ، وكذلك حُب الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعاً لما جاء به الرسول e …و "من أحب لله ، وأبغض لله ، وأعطى لله ومنع لله ، فقد استكمل الإيمان"، ومن كان حُبه ، وبُغضه ، وعطاؤه ، ومنعه لهوى نفسه ، كان ذلك نقصاً في إيمانه الواجب ، فتجب عليه التوبة من ذلك ، والرجوع إلى إتباع ما جاء به الرسول e من تقديم محبة الله ورسوله وما فيه رضى الله ورسوله على هوى النفس ومُرادِها )[16] .

ـ وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: ( هذا هو الغالب على كثير من الناس : ردّ الحق لمخالفة الهوى ، ومُعارضته بالآراء ، وهذا من نقص الدين وضعف الإيمان واليقين )[17].

 

^ ^ ^ ^ ^


الحذر… الحذر… من شرك الطاعة

 
 


ـ قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله في شرحه على كتاب التوحيد : ( وفي الحديث ـ أي حديث عدي بن حاتم ـ دليل على أن طاعة الأحبار والرهبان في معصية الله عبادة لهم من دون الله ، ومن الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله )[18] .

ـ وقال رحمه الله : ( .. النوع الثالث : شرك الطاعة ، والدليل قوله تعالى : )اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( سورة التوبة :(31) ، وتفسيرها الذي لا إشكال فيه : طاعة العلماء[19] والعباد في المعصية ، لا دعاءهم إياهم ، كما فسرها النبي e لعدي بن حاتم لمَّا سأله ، فقال : لسنا نعبدهم ! فذكر له أن عبادتهم طاعتهم في المعصية )[20] .

 

^ ^ ^ ^ ^


الباب الثاني : حقيقـة الإسـلام


الفصل الأول : حقيقة التوحيد

أصل دين الإسلام

ـ قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى معرِّفاً الإسلام بقوله : ( أصل دين الإسلام ، وقاعدته : أمران ؛ الأول : الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له ، والتحريض على ذلك ، والموالاة فيه ، وتكفير[21] من تركه ، الثاني : الإنذار عن الشرك في عبادة الله ، والتغليظ في ذلك ، والمعاداة فيه ، وتكفير من فعله )[22] .

ـ وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى : ( وأصل الإسلام وأساسه أن ينقاد العبد لله تعالى بالقلب والأركان ، مذعناً له بالتوحيد ، مفرداً له بالإلهية والربوبية دون كل ما سِواه ، مُقدِّماً مُراد ربِّه على كل ما تحبه نفسه[23] وتهواه )[24] .

ـ وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى : ( اعلم رحمك الله : أن دين الله يكون على القلب بالاعتقاد ، وبالحب والبغض ، ويكون على اللِسان بالنطق وترك النطق بالكفر ، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام ، وترك الأفعال التي تُكفر ، فإذا اختل واحدة من هذه الثلاث ، كفر[25] وارتد )[26] .

النطق بكلمة التوحيد من غير علم بمعناها ولا عمل بمقتضاها غير نافع بالإجماع :

ـ قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله تعالى : ( قوله : "من شهد أن لا إله إلاَّ الله"، أي : من تكلم بهذه الكلمة عارفاً لمعناها ، عاملاً بمقتضاها باطناً وظاهراً ، كما دل عليه قوله : )فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ(سورة محمد: (19) ، وقوله :)إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ( سورة الزخرف : (86) أمـا النطق بها من غير معـرفة لمعنــاها ولا عمل بمقتضـاها ، فإن ذلك غــير نــافع بالإجماع… فتباً لمن كان أبو جهل ورأس الكفر من قريش وغيرهم[27] أعلم منه بـ : (( لا إله إلاَّ الله )) )[28]

ـ وقال عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في شرحه لكتاب التوحيد : ( فمن قالها ـ أي لا إله إلاَّ الله ـ وعمل بها صدقاً وإخلاصاً ، وقبولاً ومحبةً وانقياداً ، أدخله الله الجنّة على ما كان من
العمل )[29] .

ـ وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى : ( فإذا عرفت أن جُهال الكُفار يعرفون ذلك ، فالعجب ممن يدعي الإسلام ، وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جُهال الكفار ، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها ، من غير اعتقاد القلب ، بشيء من المعاني ؛ والحاذق منهم يظن : أن معناها لا يخلق ، ولا يرزق ، ولا يُحيي ، ولا يُميت ، ولا يُدبر الأمر إلاَّ الله ، فلا خير في رجل جُهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلاَّ الله )[30] .

ـ وقال رحمه الله : ( لا خلاف بين الأمة أن التوحيد لابُد أن يكون بالقلب الذي هو : العلم ، واللسان الذي هو : القول ، والعمل الذي هو : تنفيذ الأوامر والنواهي ؛ فإن أخل بشيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً [31].

فإن أقرَّ بالتوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس ، وإن عمل بالتوحيد ظاهراً وهو لا يعتقده باطناً فهو منافق خالصاً أشر من الكافر )[32] .

ـ وقال رحمه الله : ( اعلم رحمك الله ، أن معنى لا إله إلاَّ الله نفي وإثبات ، تنفي أربعة أنواع وتُثبت أربعة أنواع : تنفي الآلهة ، والطواغيت ، والأنداد ، والأرباب ، فالآلهة : ما قصدته بشيء من جلب خير أو دفع ضر فأنت متَّخذه إلهاً ، والطواغيت : من عُبد وهو راضٍ أو رُشِح للعبادة ، مثل السمان أو تاج أو أبي حديدة ( تحتاج للتوضيح ) ، والأنداد : ما جذبك عن دين الإسلام من أهل أو مسـكن أو عشيرة أو مال ، فهو ندّ لقـوله تعالى : )وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ( سورة البقرة : (165) ، والأرباب : من أفتاك بمخالفة الحق وأطعته[33] ، مصداقاً لقوله تعالى : )اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( سورة التوبة :(31) .

وتثبت أربعة أنواع : القصد وهو كونك ما تقصد إلاَّ الله ، والتعظيم والمحبة لقوله عزّ وجلّ :
) والذين آمنوا أشدُ حباً لله (سورة البقرة: (165) ، والخوف والرجاء ، لقوله تعالى : )وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ( سورة يونس : (107) .

فمن عرف هذا قطع العلاقة مع غير الله ، ولا تكبُر عليه جهامة الباطل ، كما أخبر الله عن إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام بتكسيره الأصنام وتبرِّيه من قومه لقوله تعالى : )قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ ( الآية سورة الممتحنة: (4) )[34] .

ـ وقال الشيخ سليمان بن عبد الله يرحمه الله : ( ولا ريب أنه لو قالها أحد من المشركين ـ أي لا إله إلاَّ الله ـ ونطق أيضاً بشهادة أن محمداً رسول الله ، ولم يعرف معنى الإله ولا معنى الرسول ، وصلى وصام وحج ، ولا يدري ما ذاك إلاَّ أنه رأى الناس يفعلونه ، فتابعهم ولم يفعل شيئا من الشرك ، فإنه لا يشك أحد في عدم إسلامه .

وقد أفتى بذلك فقهاء المغرب كلهم في أول القرن الحادي عشر أو قبله ، في شخص كان كذلك ، كما ذكره صاحب ( الدُر الثمين في شرح المرشد المُعين ) من المالكية ، ثم قال شارحه : وهذا الذي أفتوا به جليّ في غاية الجلاء ، لا يمكن أن يختلف فيه اثنان . انتهى )[35] .

معنى الإله :

ـ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى : ( فمعنى الإله في زمانِنا : الشيخ والسيد الذي يُقال فيهم : سرٌّ ، ممن يُعتقد فيهم أنهم يجلبون منفعة أو يدفعون مضرَّة ، فمن اعتقد في هؤلاء أو غيرهم نبياً كان أو غيره هذا الاعتقاد ، فقد اتخذه إلهاً من دون الله .

فإن بني إسرائيل لما اعتقدوا في عيسى بن مريم وأمّه سمَّاهم الله إلَهين ، قال تعالى: )وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ( سورة المائدة: (116) )[36] .

ـ وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله تعالى : ( فإذا علم الإنسان وتحقق معنى الإله وأنه المعبود ، وعرف حقيقة العبادة ، تبين له أن من جعل شيئاً من العبادة لغير الله فقد عبدهُ واتخذه إلهاً وإن فرَّ من تسميته[37] معبوداً أو إلهاً ، وسمى ذلك توسلاً وتشفُعاً والتجاءً ونحو ذلك .

فالمشرك مشرك شاء أم أبى ، كما أن المُرابي مرابي شاء أم أبى ، وإن لم يُسم ما فعله رِبا ، وشارب الخمر شارب للخمر وإن سماها بغير اسمها )[38] .

عدم قصد الشرك لا يُغني عن أصحابه :

ـ قال محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى : ( فمن دعا غير الله ، من ميت ، أو غائب ، أو استغاث به ، فهو مُشرك كافر ، وإن لم يقصد إلاَّ مجرد التقرب إلى الله ، وطلب الشفاعة عنده )[39]

ـ وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله : ( والمُخالف لهذا الأصل ـ أي التوحيد ـ من هذه الأمّة أقسام : إما طاغوت ينازع الله في ربوبيته وإلهيته ؛ ويدعوا الناس إلى عبادة الأوثان ، أو مشرك يدعوا غير الله ويتقرب إليه بأنواع العبادة أو بعضها ، أو شاك في التوحيد : أهو حق أم يجوز أن يجعل لله شريكاً في عبادته ؟ أو جاهل يعتقد أن الشرك دين يُقرب إلى الله ، وهذا هو الغالب على أكثر العوام لجهلهم وتقليدهم من قبلهم ؛ لمّا اشتدت غُربة الدين ، ونُسي العلم بدين المُرسلين )[40] .

 

المرء مُكلف بمعرفة التوحيد ونقيضه من الشرك الذي لا يُغفر ، ولا عُذر فيه بالجهل ولا التقليد :

ـ قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين : ( ومن العجب أن بعض الناس إذا سمع من يتكلم في معنى هذه الكلمة نفياً وإثباتاً عاب ذلك وقال : لسنا مُكلفين بالناس والقول فيهم . فيُقال له : بل أنت مُكلَّف بمعرفة التوحيد الذي خلق الله الجن والإنس لأجله ، وأرسل جميع الرُسل يدعون إليه ، ومعرفة ضده وهو الشرك الذي لا يُغفر ولا عُذر لِمُكلف في الجهل بذلك ، ولا يجوز فيه التقليد ، لأنه أصل للأصول )[41] .

ـ وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى : ( …وعرفت : أن هذا هو التوحيد ، الذي أفرض من الصلاة والصوم ، ويغفر الله لمن أتى به يوم القيامة ، ولا يغفر لمن جهله ، ولو كان عابداً .

وعرفت ؛ أن ذلك هو الشرك بالله ، الذي لا يغفر الله لمن فعله ، وهو عند الله أعظم من الزنا ، وقتل النفس ، مع أن صاحبه يُريد به التقرب من الله )[42] .

ـ وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين : ( والله سبحانه إنما افترض على الخلق طاعته ، وطاعة رسوله ، وأمرهم أن يردوا إلى كتابه وسنة رسوله ما تنازعوا فيه ، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز التقليد[43] في التوحيد والرسالة )[44] .

ـ وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى : ( فإذا عرفت : أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل ، وصار صاحبه من الخالدين في النار .

عرفت : أن أهمّ ما عليك معرفة ذلك ، لعل الله أن يُخلصك من هذه الشبكة ،
وهي الشرك بالله )[45] .

^ ^ ^ ^ ^


الفصل الثاني : الكُفر بالطاغوت

أهمية الكفر بالطاغوت

ـ قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى : ( …فبيّن تعالى أنَّ المُستمسك بالعروة الوثقى هو الذي يكفر بالطاغوت ، وقدّم الكفر به على الإيمان بالله ، لأنه قد يدعي المدعي أنه يؤمن بالله وهو لا يجتنب الطاغوت ، وتكون دعواه كاذبة ، وقال تعالى : )وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ( سورة النحل : (36) ، فأخبر أن جميع المرسلين قد بُعِثوا باجتناب الطاغوت ، فمن لم يجتنبه فهو مخالف لجميع المرسلين )[46] .

ـ وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى : ( التوحيد : هو الكفر بكل طاغوت عبده العابدون من دون الله…

والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه )[47] .

ـ وقال أيضاً : ( قال تعالى : )فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا (سورة البقرة : (256) ، فدلت الآية على أنه لا يكون العبد مستمسكاً بلا إله إلاَّ الله إلاَّ إذا كفر بالطاغوت ، وهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها ، ومن لم يعتقد هذا ، فليس بمسلم ، لأنه لم يتمسك بلا إله إلاَّ الله ، فتدبر واعتقد ما ينجيك من عذاب الله ، وهو تحقيق معنى لا إله إلاَّ الله نفياً وإثباتاً )[48] .

ـ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى : ( بل لا يصح دين الإسلام ، إلاَّ بالبراءة[49] من هؤلاء ـ أي الطواغيت المعبُدون من دون الله ـ وتكفيرهم ، كما قال تعالى : )فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ(سورة البقرة : (256) )[50] .

ـ وقال أيضاً مبيناً الفرق بين الظلم الأكبر والأصغر : ( وأين الظلم الذي إذا تكلم الإنسان بكلمة منه ، أو مدح الطواغيت ، أو جادل عنهم[51] ، خرج من الإسلام ، ولو كان صائماً قائماً ؟ من الظلم الذي لا يُخرج من الإسلام ، بل إما أن يؤدي إلى صاحبه بالقصاص ، وإما أن يغفره الله ، فبين الموضعين فرق عظيم )[52] .

ـ وقال رحمه الله : ( اعلم رحمك الله تعالى ، أن أول ما فرض الله على ابن آدم الكفر بالطاغوت والإيمان بالله ، والدليل قوله تعالى : )وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ( سورة النحل : (36))[53] .

ـ وقال في كتاب التوحيد : ( المسألة السابعة : المسألة الكبيرة ، أن عبادة الله لا تحصل إلاَّ بالكفر بالطاغوت )[54] .

ـ وقال الشيخ سليمان بن عبد الله : ( لأن معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلاَّ الله ، أن لا يُعبد إلاَّ الله وأن لا يعتقد النفع والضر إلاَّ في الله ، وأن يُكفر بما يعبد من دون الله ، ويتبرأ منها
ومن عابديها )[55] .

ـ وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد : ( وهذا من أعظم ما يُبين معنى لا إله إلاَّ الله ، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال ، بل ولا معرفة معناها ، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يُضيف إلى ذلك الكفر بما يُعبد من دون الله[56]، فإن شك أو تردد لم يُحرم ماله ودمه ) .

معنى الطاغوت :

ـ قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله : ( اسم الطاغوت يشمل كل معبود من دون الله ، وكل رأس في الضلال يدعوا إلى الباطل ويُحسنه .

ويشمل أيضاً كل من نصبه الناس للحكم بينهم بأحكام الجاهلية المُضادة لحكم الله ورسوله ، ويشمل أيضاً الكاهن والساحر وسدنة الأوثان إلى عبادة المقبورين وغيرهم بما يكذِبون من الحكايات المُضلة للجهال ، الموهمة أن المقبور ونحوه ، يقضي حاجة من توجه إليه وقصده ، وأنه فعل كذا وكذا ، مما هو كذ ، أو من فعل الشياطين ، ليوهموا الناس أن المقبور ونحوه يقضي حاجة من قصده ، فيوقعهم في الشرك الأكبر وتوابعه .

وأصل هذه الأنواع كلها وأعظمها الشيطان فهو الطاغوت الأكبر )[57].

ـ وقال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله : ( ..وقال مجاهد : الطاغوت : الشيطان في صورة الإنسان ، يتحاكمون إليه وهو صاحب أمرهم… وقال ابن القيم : الطاغوت ما تجاوز به العبد حدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع ، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله[58] ، أو يعبدونه من دون الله ، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله ، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله ، فهذه طواغيت العالم ، إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم ممن أعرض عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت ، وعن طاعته ومتابعة رسوله e إلى طاعة الطاغوت ومتابعته )[59] .

ـ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى : ( والطواغيت كثيرة ، ورؤوسهم خمسة ، الأول : الشيطان ، الداعي إلى عبـادة غير الله ، والدليـل قوله تعالى : )أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ( سورة يس : (60) . الثاني : الحاكم الجائر ، المغيِّر لأحكام الله تعالى ، والدليل قوله تعالى : )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا (النساء : (60) ، الثالث : الذي يحكم بغير ما أنزل الله[60] ، والدليل قوله تعالى : )وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ( سورة المائدة : (44) ، الرابع : الذي يدعي علم الغيب من دون الله ، والدليل قوله تعالى : ) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ` إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا( سورة الجن : (26،27) ، وقال تعالى : )وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ( سورة الأنعام: (59) ، الخامس : الذي يُعبد من دون الله ، وهو راضٍ بالعبادة ، والدليل قوله تعالى : )وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ( سورة الأنبياء: (29) ، واعلم[61] : أن الإنسان ما يصير مؤمناً بالله إلاَّ بالكفر بالطاغوت )[62] .

معنى الكفر بالطاغوت :

ـ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى : ( ومعنى الكفر بالطاغوت ، أن تبرأ من كل ما يعتقد فيه غير الله ، من جني أو إنسي أو شجر أو حجر أو غير ذلك ، وتشهد عليه بالكفر والضلال ، وتبغضه ولو كان أباك و أخاك .

فأما من قال أنا لا أعبد إلاَّ الله ، وأنا لا أتعرَّض السَّادة والقباب على القبور وأمثال ذلك ، فهذا كاذب في قول لا إله إلاَّ الله ، ولم يؤمن بالله ، ولم يكفر بالطاغوت )[63] .

ـ وقال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى : ( والمراد من اجتنابه ـ أي الطاغوت ـ هو بغضه ، وعداوته بالقلب ، وسبَّه[64] وتقبيحه باللسان ، وإزالته باليد عند القدرة ، ومُفارقته[65] ، فمن أدعى اجتناب الطاغوت ولم يفعل ذلك فما صدق )[66] .

ـ وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى : ( فأما صفة الكفر بالطاغوت : فأن تعتقد بطلان عبادة غير الله ، وتتركها ، وتبغضها ، وتُكفر أهلها ، وتعاديهم[67] ، وأما معنى الإيمان بالله فأن تعتقد ، أن الله هو الإله المعبود وحده ، دون ما سواه ، وتخلص جميع أنواع العبادة كلها لله ، وتنفيها عن كل معبود سواه ، وتُحب أهل الإخلاص وتواليهم ، وتبغض أهل الشرك ، وتُعاديهم .

وهذه : ملة إبراهيم التي سفِه نفسه من رغب عنها ؛ وهذه : هي الأسوة التي أخبر الله بها في قوله : )قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ( سورة الممتحنة: (4) )[68].

^ ^ ^ ^ ^


السكوت على المنكر مع القدرة على إنكاره ، دليل على الرضا به ، فكيف بمن ظاهر وأعان عليه !!

ـ قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله : ( وقد ذكر شيخنا ـ أي الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله تعالى في مختصر السيرة له : ذكر الواقدي أن خالد بن الوليد ، لما قدم العارض ، قدم مائتي فارس ، فأخذوا مجَّاعة بن مرارة في ثلاثة عشر رجلاً من قومه بني حنيفة ، فقال لهم خالد بن الوليد : ما تقولون في صاحبكم ـ مسيلمة الكذاب ـ ؟ فشهدوا أنه رسول الله ، فضرب أعناقهم ، حتى إذا بقي سارية بن عامر قال : يا خالد إن كنت تريد بأهل اليمامة خيراً أو شراً فاستبق مجَّاعة ، وكان شريفاً فلم يقتله ، وترك سارية أيضاً ، فأمر بهما فأوثقا في مجامع من حديد ، فكان يدعوا مجَّاعة وهو كذلك فيتحدث معه وهو يظن أن خالداً يقتله ، فقال: يا ابن المغيرة إن لي إسلاماً والله ما كفرت .

فقال خالد: إن بين القتل والترك منـزلة وهي الحبس ، حتى يقضي الله في أمرنا ما هو قاض ، ودفعه إلى أم متمم زوجته ، وأمرها أن تحسن إساره ، فظن مجَّاعة أن خالداً يريد حبسه ليخبره عن عدوه ، وقال: يا خالد قد علمتَ أني قدمت على رسول الله e فبايعته على الإسلام وأنا اليوم على ما كنت عليه بالأمس ، فإن يكُ كذاب قد خرج فينا فإن الله يقول: )وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى( سورة الأنعام: (164) .

فقال : يا مجَّاعة ، تركت اليوم ما كنت عليه أمس ، وكان رضاك بأمر هذا الكذاب وسكوتك عنه ـ وأنت من أعز أهل اليمامة ـ إقراراً له ورضاء بما جاء به ، فهل أبديت عُذراً فتكلَّمت فيمن تكلَّم ؟ فقد تكلَّم ثمامة فرد وأنكر ، وتكلَّم اليشكري ، فإن قلت أخاف قومي فهلا عمدت إلي أو بعثت إلي رسولاً ؟

فتأمل كيف جعل خالد سكوت مجَّاعة رضا بما جاء به مسيلمه وإقراراً[69] ، فأين هذا ممن أظهر الرضا وظاهر وأعان وجدَّ وشمَّر مع أولئك الذين أشركوا مع الله في عبادته وأفسدوا في أرضه ؟
فالله المستعان )[70] .

^ ^ ^ ^ ^


الفصل الثالث : البراءة من المشركين وتكفيرهم

لا يستقيم الإسلام إلاَّ بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه :

ـ قال الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحم الله الجميع : ( وقد قال تعالى :
)وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ(سورة الأنفال: (73) قال بعض العلماء الفضلاء : الفتنة في الأرض الشرك ، والفساد الكبير اختلاط المسلم بالكافر[71] ، والمُطيع بالعاصي ، فعند ذلك يختل نظام الإسلام وتضمحل حقيقة التوحيد ، ويحصل من الشر ما الله به عليم ، فلا يستقيم الإسلام ، ويقوم قائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويرتفع علم الجهاد ، إلاَّ بالحب في الله والبغض فيه ، وموالاة أوليائه ، ومعاداة أعدائه ، والآيات الدالة على ذلك ، أكثر من أن تُحصر .

وأما الأحاديث ، فأشهر من أن تُذكر ، فمنها : حديث البراء بن عازب ، t ، مرفوعاً " أوثق عُرى الإيمان : الحب في الله ، والبغض فيه " وعن أبي ذر t ، أفضل الإيمان : الحب في الله والبغض فيه ؛ وفي حديث مرفوع " اللهم لا تجعل لفاجر عندي يداً ، ولا نعمة فيودّه قلبي ، فإني وجدت فيما أوحيته إليَّ )لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ( سورة المجادلة: (22) "، وفي ( الصحيحين ) ، عن ابن مسعود t ، مرفوعاً " المرء مع من أحب " وقال e : "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل " وعن أبي مسعود البدري ، t مرفوعاً : "لا تصاحب إلاَّ مؤمناً ، ولا يأكل طعامك إلاَّ تقي " وعن علي t ، مرفوعاً " لا يحب رجل قوماً إلاَّ حُشِر معهم " وقال e :" تقربوا إلى الله ببغض أهل المعاصي ، والقوهم بوجوه مُكفهرّة ، والتمسوا رضا الله بسخطهم ، وتقربوا إلى الله بالتباعد منهم " وقال عيسى عليه السلام : تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي[72] ، وتقرَّبوا إلى الله بالبعد عنهم ، واطلبوا رضا الله بسخطهم ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : من أحب في الله ، وأبغض

في الله ، ووالى في الله ، وعادى في الله ، فإنما تُنال ولاية الله بذلك[73] ، ولن يجد عبد طعم الإيمان ، ولو كثرت صلاته وصومه ، حتى يكون كذلك ، يعني حتى تكون محبته وموالاته لله ، وبغضه ومعاداته لله ؛ قال t : وقد صارت عامة مؤاخاة الناس ، على أمر الدنيا ، وذلك لا يجدي على أهله شيئا .

فإذا كان هذا كلام ابن عباس ، وهو في خير القرون ، فما زاد الأمر بعده إلاَّ شدة ، وبعداً عن الخير ، كما قال e :" لا يأتي على الناس زمان ، إلاَّ والذي بعده شرٌ منه" بل كانت موالاة الناس اليوم ، ومحبتهم ، ومعاشرتهم ، على الكفر والشرك والمعاصي ؛ فليحذر العبد كل الحذر من الانهماك مع أعداء الله ، والانبساط معهم ، وعدم الغلظة عليهم ، أو أن يتخذهم بُطناء[74] وأصحاب ولآيات ، ويستنصح منهم ، فإن ذلك موجب لسخط الله ومقته .

قال القرطبي رحمه الله في تفسيره عند قوله تعالى : ) لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ( سورة آل عمران: (118) نهى الله عباده المؤمنين ، أن يتخذوا من الكفار واليهود ، وأهل الأهواء والبدع ، أصحاباً وأصدقاء ، يفاوضونهم في الرأي ، ويسندون إليهم أمورهم ؛ وعن الرُبيع )لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً( لا تستدخلوا المنافقين ، ولا تتولوهم من دون المؤمنين ؛ ويُقال : كل من كان على خلاف مذهبك[75] ، لا ينبغي لك أن تُخادنه ، وتُعاشره وتركن إليه )[76] .

ـ وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى : ( ولكن تأمل أرشدك الله تعالى قوله ـ أي ابن القيم ـ : وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلاَّ من عادى المشركين لله إلى آخره ، يتبين لك أن الإسلام لا يستقيم إلاَّ بمعاداة أهل هذا الشرك ، فإن لم يعادهم فهو منهم وإن لم يفعله ، والله أعلم )[77].

مودّة الكافر :

ـ تحدث الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن نواقض التوحيد ومبطلاته ، فقال رحمه الله : ( الأمر الثاني من النواقض : إنشراح الصدر لمن أشرك بالله وموادَّة أعداء الله ، كما قال تعالى : )وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ( الآية سورة النحل: (106) ، إلى قوله :
)وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ( سورة النحل: (107) ، فمن فعل ذلك فقد أبطل توحيده ولو لم يفعل الشرك بنفسه ، قال الله تعالى : )لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ( الآية سورة المجادلة: (22) ، قال شيخ الإسلام : أخبر سبحانه أنه لا يوجد مؤمن يوادّ كافرا ، فمن وادّه فليس بمؤمن ، قال: والمشابهة مظنة الموادة فتكون مُحرمه .

موقف الصحابة مع واقعهم :

ـ ثم قال رحمه الله ( قال العماد ابن كثير في تفسيره : قيل نزلت في أبي عبيده حين قتل أباه يوم بدر ، )أَوْ أَبْنَاءهُمْ( ، في الصديق يومئذٍ همَّ بقتل ابنه عبد الرحمن ، )أَوْ إِخْوَانَهُمْ( ، في مصعب بن عُمير قتل أخاه عُبيد بن عُمير ، )أَوْ عَشِيرَتَهُمْ( في عمر قتل قريباً له يومئذٍ أيضاً ، وحمزة وعلي وعُبيدة بن الحارث قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذٍ .

قال : وفي قوله )رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ (سورة المائدة: (119) سرٌّ بديع وهو أنهم لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله ، عوضهم[78] الله بالرضا عنهم ورضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المُقيم ، والفوز العظيم ، والفضل العميم ، ونوَّه بفلاحهم وسعادتهم ونصرتهم في الدنيا والآخرة ، في مقابلة ما ذُكر عن أولئك من أنهم حزب الشيطان )أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ( سورة المجادلة: (19) .

الأمر الثالث : موالاة المشرك ، والركون إليه ، ونصرته ، وإعانته باليد ، أو اللسان ، أو المال ، كما قال تعالى : )فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ( سورة القصص: (86) وقال : )رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ( سورة القصص: (17) ، وقال: )إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(سورة الممتحنة: (9) ، وهذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين في هذه الأمة ، فانظر أيُها السامع أين تقع من هذا الخطاب وحكم هذه الآيات )[79] .

لا يحصل الدخول في الإسلام إلاَّ ببغض المشركين ومعاداتهم وتكفيرهم :

ـ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : ( وأنت يا من منَّ الله عليه بالإسلام ، وعرف أن ما من إله إلاَّ الله ؛ لا تظن أنك إذا قلت هذا هو الحق ، وأنا تارك ما سِواه ، لكن لا أتعرض للمشركين ، ولا أقول فيهم شيئاً[80] ، لا تظن : أن ذلك يحصل لك به الدخول في الإسلام ، بل : لا بُدَّ من بُغضِهم ، وبغض من يحبهم ، ومسبتهم ، ومعاداتهم[81] ، كما قال أبوك إبراهيم ، والذين معه :)إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ (سورة الممتحنة: (4) وقال تعالى : )فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا (سورة البقرة : (256)وقال تعالى : )وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ( سورة النحل : (36).

ولو يقول رجل : أنا أتبع النبي e وهو على الحق ، لكن : لا أتعرض اللاَّت ، والعُزى ، ولا أتعرض أبا جهل ، وأمثاله ، ما عليَّ منهم[82] ؛ لم يصح إسلامه )[83] .

ـ وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله : ( وأجمع العلماء سلفاً وخلفاً ؛ من الصحابة والتابعين ، والأئمة ، وجميع أهل السنة : أن المرء لا يكون مسلماً إلاَّ بالتجرُّد من الشرك الأكبر ، والبراءة منه وممن فعله[84]، وبُغضهم ومُعاداتهم بحسب الطاقة ، والقدرة ، وإخلاص الأعمال كلها لله )[85] .

ـ وقال حسين وعبد الله أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله جميعاً : ( المسألة الحادية عشرة: رجل دخل هذا الدين وأحبه ، ولكن لا يُعادي المشركين ، أو عاداهم ولم يُكفرهم ، أو قال : أنا مُسلم ولكن لا أقدر أن أُكفر أهل لا إله إلاَّ الله ولو لم يعرفوا معناها ، ورجل دخل هذا الدين وأحبه ، ولكن يقول لا أتعرض للقباب ، وأعلم أنها لا تضر ولا تنفع ولكن ما أتعرضها .

الجواب : أن الرجل لا يكون مسلماً إلاَّ إذا عرف التوحيد ودان به ، وعمل بموجبه ، وصدّق الرسول e فيما أخبر به ، وأطاعه فيما نهى عنه وأمر به ، وآمن به وبما جاء به .

فمن قال لا أُعادي المشركين ، أو عاداهم ولم يُكفرهم[86] ، أو قال لا أتعرض أهل لا إله إلاَّ الله ولو فعلوا الكفر والشرك وعادوا دين الله ، أو قال لا أتعرض للقباب ، فهذا لا يكون مسلماً بل هو ممن قال الله فيهم : )وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ` أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا( سورة النساء: (150) ، والله سبحانه وتعالى أوجب مُعاداة المشركين ومنابذتهم وتكفيرهم فقال )لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ( الآية سورة المجادلة: (22) ، وقال تعالى : )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ( الآيات ، والله أعلم )[87] .

ـ قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله : ( قال الله تعالى : )تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ 80 وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ( سورة المائدة: (80 , 81).

وقال تعالى : )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ( إلى قوله : )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ( سورة المائدة: (51 ـ 54) .

وقال تعالى : ) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ` الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ( سورة النساء: (138 ,139) . وقال تعالى : )مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ 106 ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ( سورة النحل: (106 , 107) هذا حكم الله تعالى في هذا الصنف ، حكم بردتهم في مواضع كثيرة من كتابه )[88] .

ـ وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله : ( فالحُنفاء أهل التوحيد اعتزلوا هؤلاء المشركين ، لأن الله أوجب على أهل التوحيد اعتزالهم[89] ، وتكفيرهم ، والبراءة منهم ، كما قال تعــالى عن خليله إبراهيم عليه السلام : )وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا(إلى قوله : )فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِاللَّهِ(سورة مريم: (48 , 49) ، وقال: )إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ(سورة الممتحنة: (4)،
وقال عن أهل الكهف : )وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ(الآية سورة الكهف: ( 16).

فلا يتم لأهل التوحيد توحيدهم ، إلاَّ باعتزال أهل الشرك ، وعداوتهم وتكفيرهم ، فهم معتزلة بهذا الاعتبار ، لأنهم اعتزلوا أهل الشرك ، كما اعتزلهم الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام )[90] .

ـ وقد عدَّ بعض علماء نجد ثلاثة أمور كل واحد منها يوجب الجهاد لمن أتصف بها ، منها عدم تكفير المشركين ، أو الشك في كفرهم ، فإن ذلك من نواقض الإسلام ومبطلاته ، فمن اتصف به فقد كفر ، وحلَّ دمه وماله ، ووجب قتاله حتى يُكفِّر المُشركين… فإن الذي لا يُكفِّر المشركين ، غير مُصدق بالقران ، فإن القران قد كفَّر المشركين ، وأمر بتكفيرهم ، وعداوتهم وقتالهم )[91] .

ـ وقالالشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ، في أنواع المخالفين لكلمة التوحيد ممن نطقوا بها : ( ومن الناس من عبد الله وحده ، ولم ينكر الشرك ، ولم يُعاد أهله ، ومنهم : من عاداهم ، ولم يُكفرهم…

ومنهم : ـ وهو من أشد الأنواع خطراً ـ من عمل بالتوحيد ، لكن لم يعرف قدره ، ولم يبغض من تركه ، ولم يكفرهم[92] ، ومنهم : من ترك الشرك ، وكرهه ، ولم يعرف قدره ، ولم يعاد أهله ، ولم يُكفرهم ؛ وهؤلاء : قد خالفوا ما جاءت به الأنبياء ، من دين الله سبحانه وتعالى ، والله أعلم )[93] .

ـ وقال الإمام ابن عقيل رحمه الله : ( إذا أردت أن تعرف محل الإسلام من أهل الزمان ، فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب المساجد ، ولا إلى ضجيجهم بِلبيك ، ولكن انظر إلى مواطأتهم
لأعداء الشريعة )[94] .

^ ^ ^ ^ ^


الباب الثالث : التكفير وأحكامه

متى يكون التلفظ بالشهادتين مانعاً من التكفير ؟

ـ قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى : ( وقد غلط كثيرٌ من المُشركين في هذه الأعصار ، وظنوا أن من كفَّر من تلفظ بالشهادتين ، فهو من الخوارج[95] .

وليس كذلك ، بل التلفظ بالشهادتين لا يكون مانعاً من التكفير إلاَّ لمن عرف معناهما ، وعمل بِمقتضاهما ، وأخلص العبادة لله ، ولم يشرك به سواه ، فهذا تنفعه الشهادتان )[96] .

 

الحكم بمقتضى الظاهر :

ـ قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى : ( وأهل العلم والإيمان لا يختلفون في أن من صدر منه : قول ، أو فعل يقتضي كُفره ، أو شركه ، أو فسقه ، أنه يُحكم عليه بمقتضى ذلك[97] وإن كان ممن يُقرّ بالشهادتين ويأتي ببعض الأركان .

وإنما يُكف عن الكافر الأصلي إذا أتى بهما ، ولم يتبين منه خلافهما ومناقضتهما وهذا لا يخفى على صِغار الطلبة ، وقد ذكروه في المُختصرات من كُل مذهب وهو في مواضع من كتاب الروض )[98] .

إلصاق تهمة التكفير للموحِدين :

ـ قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله ( فصار من هؤلاء المشركين من يُكفر أهل التوحيد ، بمحض الإخلاص والتجريد ، وإنكارهم على أهل الشرك والتنديد .

فلهذا قالوا : أنتم خوارج ، أنتم مبتدعة[99].

كما أشار العلاَّمة ابن القيم إلى مثل هذه الحال في زمانه بقوله :

 

بالذنـب تأويـلاً بلا حسـبان فأتـوا من التقصـير في العرفان هو غـاية التوحـيد والإيمـان   من لي بشـبه خوارج قد كفـروا ولهم نصـوص قصروا في فهمـها وخصـومُنا قد كفرونـا بالـذي

وهذا الرجل قد أخذ بطريقة من يُكفر بتجريد التوحيد ، فإذا قُلنا : لا يُعبد إلاَّ الله ولا يُدعى إلاَّ هو ، ولا يُرجى سواه ولا يُتوكل إلاَّ عليه .

ونحو ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلُح إلاَّ لله ، وأن من توجه بها لغير الله فهو كافر مشرك ، قال ابتدعتم وكفرتم أمة مُحمد ، أنتم خوارج ، أنتم مبتدعة )[100] .

^ ^ ^ ^ ^


الفصل الأول : الـردّة

تعريف الردّة وذكر بعض صورها :

ـ قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى : ( بسم الله الرحمن الرحيم : باب حكم المرتد ، الذي يكفر بعد إسلامه ، نطقاً أو شكاً أو اعتقاداً أو فعلاً ، ولو مميزاً ، أو كان هازلاً ، لقوله تعالى : ) أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ ( سورة التوبة: (65) .

فمن أشرك بالله تعالى كفر بعد إسلامه ، ولو مكرهاً بحق كفر ، أو جحد ربوبيته أو وحدانيته كفر ، أو جحد صفة من صفاته ، أو ادعى النبوة ، أو صدّق من ادعاها بعد النبي e ، أو استهزأ بالله أو رسله ، أو هزل بشيء فيه ذكر الله تعالى .

أو كان مُبغضاً لرسوله e ، أو لما جاء به الرسول اتفاقاً كفر ؛ أو جعل بينه وبين الله وسائط ، يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعاً ، لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام ، قائلين : )مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى( سورة الزمر: (3) .

أو سجد لصنم أو شمس أو قمر ، أو أتى بقول أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين الذي شرعه الله تعالى ، أو وُجِد منه امتهان القرآن ، أو أنكر الإسلام كفر ، لأن الدين عند الله الإسلام ، أو سحر أو أتى عرافاً فصدقه ، أو جحد البعث كفر .

أو أتى بقول يخرجه عن الإسلام[101] ، مثل أن يقول : هو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو بريء من الإسلام أو القرآن أو النبي e ، أو يعبد الصليب ، وقد عمت البلوى بهذه الفرق ، وأفسدوا كثيراً من عقائد أهل التوحيد ، نسأل الله العفو والعافية .

أقول :

يتأمل المسلم الذي قصده إتباع أمر الله ورسوله ، ما ذكره هؤلاء العلماء ، وحكوا عليه إجماع المذاهب كلها ، في أُناس يشهدون أن لا إله إلاَّ الله ، ويصلون ويصومون وأهل عبادة ، لكنهم يعتقدون في بعض الأولياء ، مثل عبد القادر ، ومعروف الكُرخي وغيرهما ، ويتعلقون عليهم ، يقولون : لهم جاه عند الله ، كيف حكى العلماء إجماع المذاهب ، على أن من فعل ذلك فهو كافر ، ولو كان زاهداً ـ هذا الذي أنا طالب منهم ـ وأعظم من أن الرافضي إذا سبَّ الشيخين ، فقد توقف الإمام أحمد في تكفيره .

وأما إذا أعتقد في علي أو الحُسين فهو كافر ، مع كونه يشهد أن لا إله إلاَّ الله ، أتظنون أن هذا في قومٍ مضوا ؟ أتقولون الصحابة أراهم يُكفرّون أهل الإسلام ؟[102] أم تظنون أن الذين يعتقدون في علي لا يشهدون أن لا إله إلاَّ الله ؟ .

فرحم الله امرءاً نصح نفسه، ونصر الله ورسوله ودينه، ولم تأخذه في اللهِ لومة لآئم ، والله أعلم )[103] .

ـ وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى : ( قال شيخ الإسلام في اختياراته ، من جمز ـ أي ذهب ـ إلى مُعسكر التتار ، ولحق بهم ، ارتد وحلّ دمه وماله )[104].

الردّة تُحبط الأعمال إجماعاً إذا مات صاحبها عليها :

ـ قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى في بيان أن الردّة تُحبط الأعمال الصالحة :
( فقد ذكر الفقهاء ، في حكم المرتد :

أن الرجل قد يكفر بقولٍ يقوله ، أو عمل يعمله ، وإن كان يشهد أن لا إله إلاَّ الله ، وأن محمداً رسول الله ويصلي ، ويصوم ، ويتصدق ، فيكون مرتداً تحبط أعماله ما قال أو فعل ، خصوصاً إن مات على ذلك ، فيكون حبوط أعماله إجماعاً ، بخلاف ما إذا تاب قبل الموت ، ففيه الخلاف )[105] .

^ ^ ^ ^ ^


الفصل الثاني : الحكم بغير ما أنزل الله

 

لا شك أن تنحية شرع الله وعدم التحاكم إليه في شؤون الحياة من أخطر وأبرز مظاهر الانحراف في مجتمعات المسلمين ، ولقد كان عواقب الحكم بغير ما أنزل الله في بلاد المسلمين ما حلَّ بهم من أنواع الفساد وصنوف الظلم والذل والمحق .

فرض الله تعالى الحكم بشريعته وأوجب ذلك على عباده ، وجعله الغاية من تنـزيل الكتاب ، فقال سبحانه : )وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ( سورة البقرة: (213) ، وقال تعالى : )إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ( سورة النساء: (105) ، وبيَّن سبحانه اختصاصه وتفردّه بالحكم فقال : )إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ( سورة الأنعام: (57) ، وقال سبحانه : )إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ( سورة يوسف: (40) ، وقال عزَّ وجلَّ : )لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ( سورة القصص: (70) ، وقال سبحانه : )وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ( سورة الشورى: (42) .

وقد سمى الله الذين يحكمون بغير شرعه ، كُفاراً ، وظالمين ، وفاسقين ، قال سبحانه : )وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ( سورة المائدة : (44)، وقال سبحانه : ) وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(سورة المائدة: (45) ، وقال سبحانه : )وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ( سورة المائدة: (47) .

ويكون الحكم بغير ما أنزل الله كُفراً ناقلاً عن الملّة في عدة صور وحالات ، نذكر بعضها على النحو التالي :

1 _ من شرع غير ما أنزل الله تعالى[106] : وقد تقرر بداهةً وجوب إفراد الله تعالى بالحكم والتشريع ، )أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ( سورة الأعراف: (54) ، فهو سبحانه وحده المتفرد بالتشريع والتحليل والتحريم ، فالدين لا يكون إلاَّ ما شرعهُ الله تعالى ، وليس لأحد أن يُشرع شيئاً ما جاء عن الله تعالى ولا عن رسوله e .

فالتشريع حقٌ خالص لله وحده لا شريك له ، من نازعه في شيء منه فهو كافر مشرك لقوله تعالى )أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ(سورة الشورى: (21) ، وقال عزَّ وجلَّ :
)اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ( سورة التوبة: (31) ، فهؤلاء الأحبار والرهبان الذين شرَّعوا غير تشريع الله تعالى كفار لا شك في كفرهم ، لأنهم نازعوا الله تعالى في ربوبيته وبدَّلوا دين الله وشرعه[107] .

وإذا كانت متابعة أحكام المشرِّعين غير ما شرعه الله تعتبر شركاً ، وقد حكم الله على هؤلاء الأتباع بالشرك كما قال سبحانه : )وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ(سورة الأنعام: (121)[108] فكيف بحال هؤلاء المشرِّعين ؟

إن طواغيت البشر قديماً وحديثاً قد نازعوا الله في حق الأمر والنهي والتشريع بغير سلطان من الله تعالى ، فادعاه الأحبار والرهبان لأنفسهم فأحلَّوا به الحرام وحرَّموا به الحلال واستطالوا به على عباد الله وصاروا بذلك أرباباً من دون الله ، ثم نازعهم المُلوك في هذا الحق حتى اقتسموا السلطة مع هؤلاء الأحبار والرهبان ، ثم جاء العلمانيون فنـزعوا الحق من هؤلاء وهؤلاء ونقلـوه إلى هيئة تمثل الأمـة أو الشعب أُطلق عليها أسـم البرلمان أو مجـــلس النواب[109].

2 _ أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله ـ يعني ينكر ـ وهو معنى ما رُوي عن ابن عباس ، واختاره ابن جرير ، أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي ، وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم فإن الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم ، أن من جحد أصلاً من أصول الدين ، أو فرعاً مجمعاً عليه ، أو أنكر حرفاً مما جاء به الرسول e قطعياً ، فإنه كافر الكفر الناقل عن الملّة [110] .

3 _ أن لا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كون حكم الله ورسوله حقاً ، لكن اعتقد أن حكم غير الرسول e أحسن من حكمه وأتم وأشمل… وهذا أيضاً لا ريب أنه كُفر .

4 _ أن لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله ، لكن اعتقد أنه مثله ، فهذا كالنوعين اللذين قبله ، في كونه كافراً الكفر الناقل عن الملَّة .

5 _ اعتقد جواز الحكم بما يُخالف حكم الله ورسوله : فهذا كالذي قبله .

6 _ وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه ، ومشاقة لله ورسوله ومظاهاة بالمحاكم الشرعية ، إعداداً وإمداداً وإرصاداً ، وتأصيلاً وتفريعاً وتشكيلاً وتنويعاً وحكماً وإلزاماً ، ومراجع ومستندات ، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات ، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله e ، فلهذه المحاكم مراجع ، هي القانون المُلفق من شرائع شتى وقوانين كثيرة ، كالقانون الفرنسي والقانون الأمريكي والقانون البريطاني وغيرها من القوانين ، ومن مذاهب بعض البِدعيين المنتسبين إلى الشريعة ، وغير ذلك .

فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة ، مفتوحة الأبواب ، والناس إليها أسراب إثر أسراب ، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنَّة والكتاب ، من أحكام ذلك القانون ، وتلزمهم به ، وتقرَّهم عليه ، وتحتمه عليهم .

فأي كفر فوق هذا الكفر ؟ وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة .

وذِكر أدلة جميع ما قدمنا على وجه البسط معلومة معروفة لا يحتمل ذكرها هذا الموضع .

فيا معشر العُقلاء ! ويا جماعات الأذكياء وأولي النُهى ! كيف ترضون أن تجري عليكم أحكام أمثالكم ، وأفكار أشباهكم ، أو من هم دونكم ، ممن يجوز عليهم الخطأ ، بل خطأهم أكثر من صوابهم بكثير ، بل لا صواب في حكمهم إلاَّ ما هو مستمد من حكم الله ورسوله ، نصاً أو استنباطاً ، تَدَعُنهم يحكمون في أنفسكم ودمائكم وأبشاركم وأعراضكم ، وفي أهاليكم من أزواجكم وذراريكم ، وفي أموالكم وسائر حقوقكم ، ويتركون ويرفضون أن يحكُموا فيكم بحكم الله ورسوله ، الذي لا يتطرق إليه الخطأ ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنـزيلٌ من حكيمٍ حميد… فضلاً عن كونه كفراً بنص قوله تعالى : )وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ( [111] .

وهذا هو الموجود اليوم في بلاد المسلمين عموماً وخصوصاً في البلاد العربية حيث موجود القوانين التجارية[112] والصناعية والعسكرية والتحاكم إليها ، وفي الغالب أن الأحوال الشخصية تحكم بالشريعة وغيرها بالقانون الملفق ، وهذا موجود في بلاد المسلمين في هذا العصر ، إذ جعله الشيخ ابن إبراهيم أكفر وأشد الكفر المخرج من الملّة ، فنبرأ من الذين يحكمونها ويتحاكمون إليه)كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ(.

7 _ ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل من البوادي ونحوهم من حكايات آبائهم وأجدادهم وعاداتهم التي يُسمونها ( سلومهم ) ، يتوارثون ذلك منهم ، ويحكمون به ويحصلون على التحاكم إليه عند النـزاع ، بقاءً على أحكام الجاهلية ، وإعراضاً ورغبة عن حكم الله ورسوله ، فلا حول ولا قوة إلاَّ بالله[113] .

وهذا منتشر بين كثير من القبائل وخصوصاً قبائل اليمن فإنه واضحٌ جلّيٌ هناك وموجود أيضاً في جنوب الجزيرة وعند بعض قبائل نجد ويُسمونه ( العارفة ) و ( مقطع الحق ) فنبرأ إلى الله من هذا الكُفر .


كل من دعا إلى تحكيم غير الله ورسوله فقد دعا إلى تحكيم الطاغوت :

ـ قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله في شرحه لكتاب التوحيد ( كما أن من دعا إلى تحكيم غير الله تعالى ورسوله e فقد دعا إلى تحكيم الطاغوت )[114] .

الدعوة إلى تحكيم الطاغوت هذا كفر مُخرج من الملّة ، إذ إننا في عصر قد كثرت الطواغيت التي يُدعى إلى تحكيمها من دون الله ، ومن هذه الطواغيت : ( هيئة الأُمم ) و ( النظام العالمي الجديد ) و
( محكمة العدل الدولية ) و ( مجلس الأمن ) ، وغيرها من الطواغيت التي تحكم بغير ما أنزل الله ، بل كثير من الدول التي تزعم أنها إسلامية ، تتحاكم إلى هذه الطواغيت ، وأما من كان عضواً مؤسِساً في هذه الطواغيت ، فهو من دُعاة التحاكم إلى غير الله ورسوله وبذلك يكون طاغوتاً يجب البراءة منه وتكفيره .

ـ وقال الشيخ عبد الله بن حميد : ( وقد تكفلت الشريعة بحل جميع المشاكل وتبيينها وإيضاحها ، قال تعالى : )مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ( سورة الأنعام: (38) ، وقال تعالى : )وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ( سورة النحل: (89) ، ففي هذه الآية أن القران فيه البيان لكل شيء ، وأن فيه الاهتداء التام ، وأن فيه الرحمة الشاملة ، وأن فيه البشارة الصادقة للمتمسكين به الخاضعين لأحكامه ، قال تعالى : )كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ( سور


1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 |


دًè èٌïîëüçîâàيèè ىàٍهًèàëà, ïîٌٍàâèٍه ٌٌûëêَ يà رٍَنàëë.خًم (0.099 ٌهê.)