ہâٍîہâٍîىàٍèçàِèےہًُèٍهêًٍَàہًٌٍîيîىèےہَنèٍءèîëîمèےءَُمàëٍهًèےآîهييîه نهëîأهيهٍèêàأهîمًàôèےأهîëîمèےأîٌَنàًٌٍâîؤîىؤًَمîهئًَيàëèٌٍèêà è رجببçîلًهٍàٍهëüٌٍâîبيîًٌٍàييûه ےçûêèبيôîًىàٍèêàبٌêٌٌٍَâîبٌٍîًèےتîىïü‏ٍهًûتَëèيàًèےتَëüًٍَàثهêٌèêîëîمèےثèٍهًàًٍَàثîمèêàجàًêهٍèيمجàٍهىàٍèêàجàّèيîًٌٍîهيèهجهنèِèيàجهيهنوىهيٍجهٍàëëû è رâàًêàجهُàيèêàجَçûêàحàٌهëهيèهخلًàçîâàيèهخًُàيà لهçîïàٌيîٌٍè وèçيèخًُàيà زًَنàدهنàمîمèêàدîëèٍèêàدًàâîدًèلîًîًٌٍîهيèهدًîمًàىىèًîâàيèهدًîèçâîنٌٍâîدًîىûّëهييîٌٍüدٌèُîëîمèےذàنèîذهمèëèےرâےçüرîِèîëîمèےرïîًٍرٍàينàًٍèçàِèےرًٍîèٍهëüٌٍâîزهُيîëîمèèزîًمîâëےزًَèçىشèçèêàشèçèîëîمèےشèëîٌîôèےشèيàيٌûصèىèےصîçےéٌٍâîضهييîîلًàçîâàيèه×هً÷هيèهفêîëîمèےفêîيîىهًٍèêàفêîيîىèêàفëهêًٍîيèêàقًèٌïَينهيêِèے

إكذا كان أهل العلم وهكذا كان أهل القرآن وأهل الحديث

×èٍàéٍه ٍàêوه:
  1. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
  2. السنة تؤيد القرآن في الصفات
  3. العلم صفة قائمة لله بذاته
  4. سورة الإخلاص تضمنت صفات الله وهي تعدل ثلث القرآن

فترك عبد العزيز الزهراني تصدر المجالس لإعطاء الدروس وذهب وحمل الراية يوم تحطيم الأصنام في أمريكا ولم يؤتى المسلمون من قبله ، وكان فعله أكثر أثراً من ملايين الكتب في توضيح عقيدة الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين .

أبو العباس جدد معنى العالم الرباني وأعاد الأمر إلى أصله كما كان السلف يحتسبون ولا يتوظفون ، نفر من الطغاة ووظائفهم ، أدرك منهج السلف رضي الله عنهم وفقهه وعلم أن فضل العلم مقيد بالعمل به ليتخذ العلم عملا ، وإنما طلب العلم ليعمل به على بصيرة .

فهؤلاء الرجال أرادو أن يُعدوا جواباً ليوم الحساب ، أخرجهم من بيوتهم الإيمان بالله واليوم الآخر واتباع محمدe، وعلموا أن سيل الأعذار الذي يقدمه المعذِّرون من الأعراب لا يغني عنهم شيئاً ، كيف يصدقونهم والأندلس منذ خمسة قرون لم تعد ، كيف يصدقونهم وفلسطين منذ تسعة عقود تقريبا والإعداد لم ينتهي ، كيف يصدقونهم ومعسكرات الإعداد وميادين الجهاد في أفغانستان فتحت لأكثر من عشرين سنة ، لم يكلفوا أنفسهم هؤلاء أن يُغبروا أقدامهم في سبيل الله .

كيف يقعد الشيخ عبد العزيز الزهراني ويحفظ من مورثهِ خاتم الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام حديثه كما في الصحيح : "والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلف سرية تغزوا في سبيل الله أبدا " ، كيف يقعد وهو يردد قول رسول اللهeفي الحديث نفسه :

"والذي نفس محمدٍ بيده لوددت أن أغزوا في سبيل الله فأقتل ثم أغزوا فأقتل ثم أغزوا فأقتل " .

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا وقدوتنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم
أما بعد :

فبعد الضربات المباركة على أمريكا في 22 جمادى الآخرة فكرت كثيراً في إخراج رسالة تفيد بوجوب الإعداد وقتال العدو الصليبي ، وخصوصاً بعد أن صرح كبار المسئولين في الولايات المتحدة بأنها حرب صليبية ، فبفضل الله عز وجل وحده وقعت بين يدَيَّ نسخة من كتاب نفيس بعنوان (العمدة في إعداد العدة) للشيخ الفاضل عبد القادر بن عبد العزيز حفظه الله ورعاه ، فوجدت الكتاب كافياً ووافياً في هذا الموضوع إلا أنه كتاب مطول ولتقاصر الهمم في القراءة والله المستعان قد أشار عليَّ بعض الفضلاء في اختصار هذا الكتاب لا سيما أنه تطرق إلى مسائل كثيرة فجزاه الله خيراً ، فاخترت ما أردته للبحث اختصاراً للقارئ وتمهيداً للباحث ، وتوجته بمقدمه في فضل الجهاد ومشروعيته لبعض أئمة الدعوة رحمهم الله ، وذكرت بعض التعليقات في الحاشية ، لعل الله أن يرحمني بواسع رحمته وفضله ، ويرزقني الشهادة في سبيله ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .



 

 

أبو عبد الرحمن الأثري

سلطان بن بجاد العتيبي

إـ


 

معـلومة يجب أن يعلـمها جميع المسـلمين جزيرة العرب حاصرها العدو الصليبي من جميع الجهات

 

ففي شرق الجزيرة : كدست الأسلحة الأمريكية في قاعدة (العديد) في قطر ووضعت القيادة البرية في الكويت وامتلأ الخليج من البوارج والسفن الحربية الأمريكية .

وفي شمال الجزيرة : وضعت قواعد وقوات عسكرية أمريكية في الأردن بالإضافة إلى قواعدها في دولة اليهود وما ستضعه في حال انتصارها على العراق في أراضيه .

وفي غرب الجزيرة : تتحكم دولة يهود بأعلى البحر الأحمر وبأسفله عن طريق الجزر التي استأجرتها من أرتريا .

وفي جنوب الجزيرة : بدأت القوات الأمريكية تدخل اليمن بالإضافة إلى حاملاتها وسفنها الموجودة في بحر العرب .

والجزيرة نفسها مليئة بالنصارى يسرحون ويمرحون فيها كيف شاءوا .

^ ^ ^ ^ ^


مشروعية الجهاد وفضله

 

قال الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود رحمهم الله تعالى :

( وما ما ذكرت : إنا نقتل الكفار ، فهذا أمر ما نعتذر عنه ولم نستخف فيه ونزيد في ذلك إن شاء الله ونوصي به أبناءنا من بعدنا ، وأبناؤنا يوصون به أبناءهم من بعدهم ، كما قال الصحابي : على الجهاد ما بقينا أبداً[339] .

ونُرغم أُنوف الكفار ونسفك دماءهم ونغنم أموالهمبحول الله وقوته ، ونفعل ذلك اتباعاً لا ابتداعاً ، طاعة لله ولرسوله وقُربة نتقرب بها إلى الله تعالى[340] ونرجو بها جزيل الثواب بقوله تعالى : )فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(سورة التوبة: (5) ، وقوله : )وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ` وَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ( سورة الأنفال: (39،40) ، وقوله تعالى : )فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ( الآية سورة محمد: (4) ، وقوله : )قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ( الآية سورة التوبة: (14) .

‡àمًَçêà...

ونرغب فيما عند الله من جزيل الثواب ، حيث قال تعالى : ) إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( سورة التوبة: (111) ، وقال تعالى : ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ` تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ` يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ` وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ( سورة الصف: (10-13) ، والآيات والأحاديث ما تحصى في الجهاد والترغيب فيه .

 

ولا لنا دأب إلاَّ الجهاد ولا لنا مأكل إلاَّ من أموال الكفار )[341] .

قال الشيخ إبراهيم وعبد الله وعلي أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، رحمهم الله تعالى :

( وقد توعد الله من تثاقل عن الجهاد ، ورضي بالإخلاد إلى الأرض بالوعيد الشديد ، قال تعالى : )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ` إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا( الآية سورة التوبة: (38،39) ، وقال تعالى : )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَايُحْيِيكُمْ(سورة الأنفال: (24) لما يُصلحكم ، وقد فرضه الله على الناس فرض الصلاة والزكاة ، قال الله تعالى : ) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ( إلى قوله : )وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ( سورة البقرة: (216) .

فإذا قام المسلمون بما أمرهم الله به من جهاد عدوهم ، بحسب استطاعتهم ، فليتوكلوا على الله ، ولا ينظروا إلى قوتهم وأسبابهم ولا يركنوا إليها ، فإن ذلك من الشرك الخفي ، ومن أسباب إدالة العدو على المسلمين ووهنهم عن لقاء العدو ، لأن الله تبارك وتعالى أمر بفعل السبب ، وأن لا يتوكل إلاَّ على الله وحده ، قال تعالى : )وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ( سورة المائدة: (23) ، وقال تعالى:)إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ( سورة آل عمران: (160) ، وقال تعالى لمحمد e :)إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ ` وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى( الآية سورة الأنفال: (9-10) .

فإذا فعل المسلمون ما أمرهم الله به ، وتوكلوا على الله ، وحققوا توكله ، نصرهم الله وأمدهم بالملائكة ، كما هي عادته مع عباده المؤمنين في كُل زمان ومكان ، قال الله تبارك وتعالى : ) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ` إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ ` وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ( سورة الصافات: (171-173) ، وقال تعالى : )وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ` سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا( سورة الفتح: (22-23) )[342] .

وقال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف رحمهما الله تعالى :

( والمقصود بهذا ، ما قد شاع وذاع ، من إعراض المنتسبين إلى الإسلام ـ وأنهم من أمة الإجابة ـ عن دينهم وما خلقوا له ـ وقامت عليه الأدلة القرآنية والأحاديث النبوية ـ من لزوم الإسلام ومعرفته ، والبراءة من ضده ، والقيام بحقوقه ، حتى آل الأمر بأكثر الخلق إلى عدم النفرة من أهل ملل الكفر وعدم جهادهم ، وانتقل الحال حتى دخلوا في طاعتهم واطمأنوا إليهم ، وطلبوا صلاح دُنياهم بذهاب دينهم ، وتركوا أوامر القرآن ونواهيه ، وهم يدرسونه آناء الليل والنهار .

وهذا لا شك أنه من أعظم أنواع الردّة ، والإنحياز إلى ملَّة غير ملَّة الإسلام ، ودخول في ملَّة النصرانية عياذاً بالله من ذلك ، كأنكم في أزمان الفترات ، أو أُناس نشؤوا في محلة لم يبلغهم شيء من نور الرسالة ، أنسيتم قوله تعالى : )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ( سورة المائدة: (51) ، وقوله تعالى : )تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ` وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ( سورة المائدة: (80-81) ، وقال تعالى : )وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ(سورة البقرة: (120) ، والدخول في طاعتهم اتباع لملتهم وانحياز عن ملة الإسلام ، وقال تعالى :)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ` وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ( سورة المائدة: (57-58) ، وقال تعالى : )بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ` الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا ` وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا( سورة النساء: (138-140) ، وقال تعالى : )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ( سورة آل عمران: (118) .

والآيات القرآنية في تحريم موالاة الكفار والدخول في طاعتهم أكثر من أن تُحصر ، ومن تدبر القرآن واعتقد أنه كلام الله منـزل غير مخلوق واقتبس الهُدى والنور منه وتمسك به في أمر دينه عرف ذلك إجمالاً وتفصيلا ، قال جندب بن عبد الله t : عليكم بالقرآن فإنه نور بالليل وهدى بالنهار فاعملوا به على ما كان من فقر وفاقة ، فإن عُرض بلاء فقدم مالك دون نفسك ، فإن تجاوز البلاء فقدم نفسك دون دينك ، فإن المحروب من حرب دينه ، والمسلوب من سلب دينه ، وأنه لا فاقة بعد الجنة ولا غناء بعد النار ، إن النار لا يستغني فقيرها ، ولا يُفك أسيرها .

وهذه الطائفة الملعونة : الطائفة النصرانية التي حلت بفنائكم وزحمتكم عند دينكم ، وطلبت منكم الدخول في طاعتها ،هم الذين نوّه الله بذكرهم في القرآن فقال تعالى : ) لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ( سورة المائدة: (73) ، وقال : )لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ( سورة المائدة: (72) ، وقال تعالى : )وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ` لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ` تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ` أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ` وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ` إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ` لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ` وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا( سورة مريم: (88-95) ، وقال تعالى : )يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً( سورة المائدة: (171) ، فهل بعد هذا غلظة وبيان وزجر وإنذار ، وهل يشك بعد هذا ممن له فطرة وسمع وبصر ، اللهم إلا من ركن إلى الدنيا وطلب إصلاحها ونسي الآخرة فهذا لا عبرة به ، لأنه أعمى القلب مطموس البصر .

وقد أمرنا الله تعالى أن نقول لهم )يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ( سورة آل عمران: (64) ففي قوله: )اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (إظهار للبراءة من دينهم وزجر عن الدخول في طاعتهم.

لقد والله لعب الشيطان بأكثر الخلق وغير فطرهم وشككهم في ربهم وخالقهم حتى ركنوا إلى أهل الكفر ورضوا بطرائقهم عن طرائق أهل الإسلام ، وكنا نظن قبل وقوع هذه الفتن وترادف هذه المحن : أن في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا يغارون على دينهم ويبذلون نفوسهم وأموالهم في الحمية لدينهم ، فتوبوا إلى الله جميعاً أيُها المؤمنون لعلكم تفلحون ، وراجعوا دينكم بمجاهدة أعدائكم من الكفار والمشركين ، وقد امتحنكم الله بهم وابتلاكم بقربهم من أوطانكم ، قال تعالى : )الم ` أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ` وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ( سورة العنكبوت: (1-3) ، وقد تعبدكم وأمركم بجهادهم ، وفرضه عليكم )كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ( سورة البقرة: (216) .

وقال تعالى : )وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ( سورة محمد: (31) ، وقال تعالى : ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ` تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ( إلى قوله : ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ( سورة الصف: (10-14) ، وقال تعالى : )إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ( سورة التوبة: (111) ، فأرشد من اشترى منهم نفوسهم إلى الوفاء بالتسليم وحضهم على بيان مالهم فيه من الربح الجزيل والفضل العظيم .

وخاطب المقرين بالبيع المُماطلين بالتسليم خطاباً بل عتاباً توبيخاً يُقرأ أبداً في مُحكم التنـزيل : )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ( ، ثم حذرهم عن الإصرار على المماطلة وتوعدهم على التسويف بعد وجوب النفير ، فقال سبحانه : ) إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( سورة التوبة: (38-39) .

فالواجب عليكم : معشر الرؤساء والقادة من أهل السواحل والبلدان ، اتفاق الكلمة بلزوم دينكم ، ومجاهدة عدوكم ، والتشمير للجهاد عن ساق الاجتهاد ، والنفير إلى ذوي العناد ، وتجهيز الجيوش والسرايا ، وبذل الصلات والعطايا ، وإقراض الأموال لمن يضاعفها وينميها ، ودفع سلع النفوس من غير مماطلة لمشتريها ، وأن تنفروا في سبيل الله خفافاً وثقالاً ، وتقوموا بالدعوة لجهاد أعداء الله ركباناً ورجالاً ، وأن تتطهروا بدماء المشركين والكفار من أدناس الذنوب وأنجاس الأوزار )قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ( سورة التوبة : (29) ) وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( سورة التوبة : (36) .

واحذروا من قوله : )فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ` فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ( ثم شدد عليهم العقوبة وقطع عنهم قبول المعذرة بقوله : ) فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ ( سورة التوبة: (81-83) وقال : )وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ( سورة التوبة: (46) .

فاحذروا غاية الحذر من سطوة الله فحقيقة الدين هي المعاملة ، وسبيل اليقين هي الطريقة الفاضلة ، ومن حُرم التوفيق فقد عظمت مصيبته واشتدت هلكته ، وأنتم تعلمون معاشر المسلمين: أن الأجل محتوم وأن الرزق مقسوم وأن ما أخطأ لا يُصيب وأن سهم المنية لكل أحد مُصيب، وأن كُل نفس ذائقة الموت وأن الجنة تحت ظلال السيوف ، وأن الري الأعظم في شرب كؤوس الحتوف ، وأن من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار ومن أنفق ديناراً كُتب بسبعمائة ، وفي رواية : بسبعمائة ألف دينار .

وأن الشهداء حقاً عند الله من الأحياء ، وأن أرواحهم في جوف طير خضر تتبوأ من الجنة حيث تشاء ، وأن الشهيد يُغفر له جميع ذنوبه وخطاياه وأنه يشفع في سبعين من أهل بيته ومن والاه ، وأنه آمِن يوم القيامة من الفزع الأكبر ، وأنه لا يجد كرب الموت ولا هول المحشر ، وأنه لا يحس ألم القتل إلا كمس القرصة وكم للموت على الفراش من سكرة وغصة .

وأن الطاعم النائم في الجهاد أفضل من الصائم القائم في سواه ، ومن حرس في سبيل الله لا تبصر النار عيناه ، وأن المُرابط يجري له أجر عمله الصالح إلى يوم القيامة ، وأن ألف يوم لا تساوي يوماً من أيامه ، وأن رزقه يجري عليه كالشهيد أبداً لا يُقطع ، وأن رباط يوم خير من الدنيا وما فيها ، إلى غير ذلك من فضائل الجهاد التي ثبتت في نصوص السنة والكتاب .

فيتعين على كل عاقل التعرض لهذه الرتب ، ومساعدة القائم بها والانضمام إليه والانتظام في سلكه ، فتربحوا بذلك تجارة الآخرة وتسلموا على دينكم .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله e :" إذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذُلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " ، وعن أنس بن مالك t قال : "من غزا غزوة في سبيل الله فقد أدى إلى الله جميع طاعته فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" قلنا يا رسول الله : وبعد هذا الحديث الذي سمعنا منك ، من يدع الجهاد ويقعد ، قال : "من لعنه الله وغضب عليه وأعد له عذاباً عظيماً ، قوم يكونون في آخر الزمان لا يرون الجهاد ، وقد اتخذ ربي عنده عهداً لا يُخلفه ، أيما عبد لقيه وهو يرى ذلك أن يُعذبه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين " .

وعن أبي بكر الصديق t ، أنه قال في خطبته ، بعد وفاة رسول الله e بعام : أيها الناس إني سمعت رسول الله e عام أول في هذا الشهر على هذا المنبر وهو يقول : "ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلاَّ أذلهم الله ، وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلاَّ عمهم الله بعقابه " وفي الحديث :"من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق".

فهذه نصيحة بذلناها لكم تذكرة كما قال تعالى: ) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِين( سورة الذاريات: (55) ، وقال : )سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى( سورة الأعلى: (10) ، ومعذرة بين يدي الله عن السكوت ، لأن السكوت ليس بعذر لأهل العلم )وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ( سورة آل عمران: (187) .

فلا تغتروا بأهل الكفر وما أعطوه من القوة والعدة ، فإنكم لا تقاتلون إلا بأعمالكم ، فإن أصلحتموها وصلحت وعلم الله منكم الصدق في معاملته وإخلاص النية له ، أعانكم عليهم وأذلهم فإنهم عبيده ونواصيهم بيده وهو الفعال لما يريد ) لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ ` مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ( سورة آل عمران: (196-197) .

فعليكم بما أوجبه الله وافترضه من جهادهم ومُباينتهم ، وكونوا عباد الله على ذلك إخواناً وأعواناً ، وكل من استطاع لهم ودخل في طاعتهم وأظهر موالاتهم فقد حارب الله ورسوله وارتد عن دين الإسلام ووجب جهاده ومعاداته ، ولا تنتصروا إلا بربكم واتركوا الانتصار بأهل الكفر جملة وتفصيلاً فقد قال e : " إنا لا نستعين بمشرك" .

وهذه الدولة التي تنتسب إلى الإسلام ، هم الذين أفسدوا على الناس دينهم ودنياهم ، واستسلموا للنصرانية ، واتحدت كلمتهم معهم ، وصار ضررهم وشرهم على أهل الإسلام والأمة المستجيبة لنبيها ، والمخلصة لربها ، فحسبنا الله ونعم الوكيل )[343] .

وقال الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف :

( وترك الجهاد من الإلقاء باليد إلى التهلكة ومن الأسباب التي توجب تسليط العدو قال تعالى : ) وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (سورة البقرة: (195) قال طائفة من السلف : الإلقاء باليد إلى التهلكة هو ترك الجهاد )[344] .

قال الشيخ سليمان بن عبد الله :

( وفي الصحيحين أيضاً عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله e :"أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويُقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوه عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" .

فهذا الحديث كآية براءة بيَّن فيه ما يُقاتل عليه الناس ابتداء فإذا فعلوه وجب الكف عنهم إلاَّ بحقه فإن فعلوا بعد ذلك ما يُناقض هذا الإقرار والدخول في الإسلام وجب القتال حتى يكون الدين كُله لله ، بل لو أقروا بالأركان الخمسة وفعلوها وأبوا عن فعل الوضوء للصلاة ونحوه أو عن تحريم بعض محرمات الإسلام كالربا والزنا أو نحو ذلك وجب قتالهم إجماعاً ولم تعصمهم لا إله إلا الله ولا ما فعلوه من الأركان ، وهذا من أعظم ما يُبين معنى لا إله إلا الله وأنه ليس المراد منها مجرد النطق فإذا كانت لا تعصم من استباح محرماً أو أبى عن فعل الوضوء مثلاً بل يُقاتل على ذلك حتى يفعله ، فكيف تعصم من دان بالشرك وفعله وأحبه ومدحه وأثنى على أهله ووالى عليه وعادى عليه وأبغض التوحيد الذي هو إخلاص العبادة لله وتبرأ منه وحارب أهله وكفرهم وصد عن سبيل الله )[345] .

وقال أيضاً :

( وقال شيخ الإسلام : لمَّا سُئِل عن قتال التتار مع التمسك بالشهادتين ولما زعموا من اتباع أصل الإسلام ، فقال : كُل طائفة ممتنعة من التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم أو غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين ملتزمين بعض شرائعه كما قاتل أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم ، قال : فأيما طائفة ممتنعة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج أو عن التزام تحريم الدماء أو الأموال أو الخمر أو الميسر أو نكاح ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب أو غير ذلك من التزام واجبات الدين أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها ، التي يكفر الواحد بجحودها ، فإن الطائفة الممتنعة تُقاتل عليها وإن كانت مُقرة بها ، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء )[346] .

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى :

( إلى من يصل إليه من المسلمين هدانا الله وإياهم لدينه القويم وسلوك صراطه المستقيم ورزقنا وإياهم ملَّة الخليلين محمد وإبراهيم ، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد :

قال الله تعالى : )وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه( سورة الأنفال: (39) ، وقال تعالى : )وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ( سورة آل عمران: (103) ، وقال تعالى : ) شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا( إلى قوله : ) أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ( الآية سورة الشورى: (13) .

فيجب على كل إنسان يخاف الله والنار أن يتأمل كلام ربِّه الذي خلقه ، هل يحصل لأحد من الناس أن يُدين الله بغير دين النبي e ؟ لقوله تعالى : )وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى (الآية سورة النساء: (115) ، ودين النبي e : التوحيد ، وهو معرفة لا إله إلا الله محمد رسول الله والعمل بمقتضاهما .

فإن قيل : كُل الناس يقولونها ، قيل : منهم من يقولها ويحسب معناها أنه لا يخلق إلا الله ولا يرزق إلا الله وأشباه ذلك ، ومنهم من لا يفهم معناها ، ومنهم من لا يعمل بمقتضاها ، ومنهم من لا يعقل حقيقتها ، وأعجب من ذلك من عرفها من وجه وعاداها وأهلها من وجه ، وأعجب منه من أحبها وانتسب إلى أهلها ولم يُفرق بين أوليائها وأعدائها.

يا سبحان الله العظيم ! تكون طائفتان مختلفتين في دين واحد وكلهم على الحق ! كلا والله )فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ( سورة يونس: (32) .

فإذا قيل التوحيد زين والدين حق إلا التكفير والقتال ، قيل : اعملوا بالتوحيد ودين الرسول ويرتفع حكم التكفير والقتال ، فإن كان حق التوحيد : الإقرار به والإعراض عن أحكامه فضلاً عن بُغضه ومُعاداته ، فهذا والله عين الكفر وصريحه ، فمن أشكل عليه من ذلك شيء فليطالع سيرة محمد e وأصحابه والسلام عائد عليكم كما بدأ ورحمة الله وبركاته )[347] .

قال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن رحمهم الله :

قال رسول الله e :"يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها" قال قائل : ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال :" بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغُثاء السيل لينـزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن" قال قائل : يا رسول الله وما الوهن ؟ قال :" حب الدنيا وكراهة الموت" ، فدل الحديث : على أن الرغبة في الدنيا والإعراض عن الأُخرى سبب الهلاك والدمار وتسلط الأعداء وفشل الأعمار .

وعن ثوبان أيضاً مرفوعاً :"ولا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان" ، وقد اتسعت الفتنة بهم وعظم الخطب ودب الشؤم على عقائد أهل الإسلام وإيمانهم والتحق بهم من ليس به بصيرة ولا قدم صدق ولا معرفة بالحق وظنوا أنهم بالتزامهم بعض أركان الإسلام من دون هذا الركن الأعظم على هدى مستقيم .

وليس الأمر كذلك بل هو كما قال أبو الوفاء ابن عقيل رحمه الله : إذا أردت أن تعرف محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب المساجد ولا إلى ضجيجهم بلبيك ، ولكن انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة ، فاللجا اللجا إلى حصن الدين والاعتصام بحبل الله المتين والانحياز إلى أوليائه المؤمنين والحذر الحذر من أعدائه المخالفين .

فأفضل القرب إلى الله تعالى مقت من حاد الله ورسوله ، وجهاده باليد واللسان والجنان بقدر الإمكان وما ينجي العبد من النيران ، ومن كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فلابد أن ينقاد لأوامر القرآن والسنة ويتبرأ من كل معتقد يخالف ما عليه السلف الصالح من سادات الأمة ، وهل زال الإسلام وغُيرت الأحكام وابتدع في الدين ما لم يأذن به الملك العلام إلا بدعاة على أبواب جهنم يصدون الناس عن دينهم )[348] .

 

تذكِرة في الإخلاص والاحتساب

 

الإخلاص هو قصد الله تعالى وحده لا شريك له بالعبادة بالتبري عن كل ما دون الله، وتخليص القصد والنية من كل غرض دنيوي، فالإخلاص هو تخليص النية والعمل من شوائب الشرك.

فعن عمر بن الخطاب t أن رسول الله e قال:"إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيّات وَإِنَّمَا لكل امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ ينْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ".

وعن أبي موسى الأشعري t أن أعرابيا أتى النبي e فقال: يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقتل ليُذْكَر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه؟ ـ وفي رواية يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية ـ فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله e :"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"[349] متفق عليه .

والتدريب العسكري من مقدمات الجهاد وله نفس مقاصده، والأخ المسلم معرض للإصابة أو الشهادة أثناء التدريب، فالواجب عليه إخلاص نيته وأن يكون قصده من التدريب هو الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا حتى يحتسبَ له أجره كاملا إن شاء الله، فالثواب الموعود للمجاهدين معلقٌ كل على شرط أن يكون العمل (في سبيل الله).

فلا يتدرب أو يجاهد بغرض أن يُذكَر ويُرى مكانه فيقال عنه إنه شجاع، ولا بغرض أن يعود إلى بلده فيقوم مقام سمعة ليُقَال عنه المجاهد الشجاع الذي فاق أقرانه فقد قال رسول الله e :"إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ" من حديث طويل رواه مسلم عن أبي هريرة .

ولا يتدرب المسلمُ أو يجاهدْ بغرض التوصلِ إلى نفعٍ مالي أو رئاسة وتَقَدُّم على غيره، فقد يُقتل قبل أن يحصل له شيءٌ من ذلك فيكون قد خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، وقد قال رسول الله e: "مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ" رواه أحمد والترمذي بإسناد صحيح عن كعب بن مالك t .

ومعناه أن الحرص على المال والشرف وهو الريَاسَةُ يفسد الدين أشد من إفساد الذئبين الجائعين لحظيرة الغنم، فما يبقى منه بعد هذا؟

ولا يتدرب المسلم أو يجاهد بغرض نصر جماعة أو حزب خاص فإذا كان الجهاد مع غير طائفته تركه، فهذا لا يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا بل لتكون كلمة الحزب أو الجماعة هي العليا، وهذه هي العصبية التي قال عنها رسول الله e :"ما بال دعوى الجاهلية؟ .. دعوها فإنها مُنْتِنة" رواه البخاري عن جابر بن عبد الله ، وقال e :"مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَدْعُو عَصَبِيَّةً أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ" رواه مسلم عن جندب بن عبد الله.

قلت: وأمثال هؤلاء لا خلاق لهم في الآخرة، ومع ذلك فقد يكون لهم بلاء حسن في القتال ونصرة الدين، كما قال رسول الله e : "إِنَّ الله عَزَّ وَجَل سَيُؤَيدُ هَذَا الدِّين بَأقْوامٍ لاَ خَلاَقَ لَهُم" رواه أحمد والطبراني عن أبي بكرة ورجالهما ثقات (مجمع الزوائد 5/305).

ومن هؤلاء من جاهد مع النبي e كهذا الذي قاتل قتالا شديدا ولم يصبر على جرحه فَقَتَل نفسه، فقال رسول الله e :"وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ" رواه البخاري عن أبي هريرة .

وعن عمر بن الخطاب قال لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي e فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال النبيe :"كلا إني رأيته في النار في بُردة غَلَّها ـ أو عباءة ـ" رواه مسلم .

وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو قال:"كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ e رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ فَمَاتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ e (هُوَ فِي النَّارِ) فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا" والثَّقَل: هو العيال وما يثقل حمله من الأمتعة ، وذكر الواقدي أن هذا الرجل كان أسود يمسك دابة الرسولe في القتال، وهو في النار بسبب الغُلُول وهو السرقة من الغنيمة.

وقد كان المنافقون يخرجون للغزو ويُنْفِقون على عهد رسول الله e كهذا الذي قال في غزوة بني المصطلق )لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ( سورة المنافقون : (8) . وكهؤلاء الذين لمزوا الصحابة في غزوة تبوك فنزل فيهم )وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ( سورة التوبة : (65) . وأما نفقتهم فقد قال الله تعالى فيها: ) قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ( سورة التوبة : (53) . وهم مع جهادهم وإنفاقهم )فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا( سورة النساء : (145) . ونأخذ من هذا كثيرا من العِبَر منها أن ساحة الجهاد قد تجمع المنافق والفاجر وفاسد النية وأقواما لاخلاق لهم، وكل هؤلاء كانوا على عهد رسول الله e ، ومن العِبَر أيضاً أن وجود هؤلاء بساحة الجهاد ليس بمبررٍ للقعود عن الجهاد بحجة أن بالصف مجروحين فقد قام الجهاد على عهد النبي e مع وجود هؤلاء، وسيأتي مزيد بيان لهذا وفتوى ابن تيمية فيه، ومن العِبَر كذلك أن كون الرجل من المجاهدين والمنفقين غيرُ كاف لتعديله خاصة إذا قامت قرائنُ على تجريحه، فقد رأينا آنفاً أصنافا من المجروحين يجاهدون ويُنْفِقون.

وإذا كان كل هذا قد حدث في حياة النبي e ومعه، فما بالك بالحال الآن؟ وقد قال e :"لا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلاَّ الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ" رواه البخاري عن أنس . والمقصود من هذا أن يحتاط المسلم لنفسه من شر نفسه ومن فساد النية، ومن داخَلَه شيء من فساد أو اختلاط بالنية فلْيبادر بتصحيحها ولا يجعل للشيطان على نفسه سبيلا يفسد به عمله وجهاده، فإن رسول الله e قد قال:"إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي من ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّم" متفق عليه . وقال e :"ثُمَّ يُبْعَثُونَ على نِيَاتِهِم" متفق عليه . وانظر إلى حديث أنس التالي يَدُلُّك على تصحيح النية، حيث قال:"وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلاَّ الدُّنْيَا فَمَا يلبَثُ إِلاَّ يَسِيراً حَتَّى يَكُونَ الإِسْلامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا" رواه مسلم . فاحرص على النية الصالحة كي تنتفع بعملك وجهادك. فإن الشريعة علقت أجر الجهاد على صلاح نية صاحبه، كما قال رسول الله e :"تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ إِلاَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَإِيمَانًا بِي وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلاً مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" رواه مسلم عن أبي هريرة .

وقال تعالى: ) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ( سورة آل عمران : (29 -30) .

وتدبر يا أخي المسلم الآية التالية لتعلم أثر صدقِ النية في الثبات عند قتال العدو وفي تنزيل النصر، قال الله عز وجل: ) لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا( سورة الفتح : (18 - 19). فقوله تعالى: )فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ( أي من صدق النية على الوفاء بهذه البيعة، بيعة الرضوان بالحديبية وكانت على الصبر وعدم الفرار وإن قُتِلوا، فكان ثواب صدق النية هو )فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ( والسكينة هي الطمأنينة في موقف الحرب، فدل ذلك على أنهم أضمروا في قلوبهم أن لا يفروا فأعانهم على ذلك فتح الباري ج 6 / ص 118، ومع السكينة )وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً ( وهو واضح. وهذه الآية دليل على أن الله يثيب صادق النية في الدنيا بإعانته على الطاعة وغير ذلك من الثواب فضلا عن ثواب الآخرة.

ومن علامات صدق النيةألا يتغير ثباتُك على الطاعة بمدح الناسِ لك أو بذمهم، وألا يتغير ثباتُك بالمنع والعطاء، وألا يتغير ثباتُك وإن تفرق عنك السائرون معك على درب الجهاد، وألا تستوحش من قلة السالكين. قال الله تعالى: )وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ( سورة آل عمران : (144) . فإن تأثر عزمُك وثباتُك بشيء من هذا، فأنت لغير الله تعالى تعمل.

ومع حسن النية يلزم المسلم في هذا المقام أن يعلم أن أي جهد يبذله في الجهاد، قَلَّ أو كَثُرَ هو عمل صالح مُثاب عليه صاحبه إن شاء الله، أدرك غاية النصر والتمكين أو لم يدركها قال تعالى: )ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ( سورة التوبة : (120 - 121).

والتدريب العسكري داخل في هذه الآية فهو نصب في سبيل الله وإنفاق وقطع أودية في سبيل الله وهو بلا شكَ موطئ يغيض الكفار، ولذلك فنحن ـ المسلمين ـ نتعبد لله بالإعداد والتدريب تماما كما نتعبد له سبحانه بالقتال ذاته وبالصلاة والصيام، وهذا المعنى ينبغي أن يكون حاضراً في نفس كل أخ مسلم مقدم على التدريب طاعة وامتثالا لقول الله تعالى: )وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ(.

والتدريب والجهاد من أفضل القربات إلى الله وأفضل من جميع النوافل، فقد قال رسول الله e :"رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ" رواه مسلم عن سلمان . وقال e لمن أراد أن يعتزل الناس ويتعبد "لا تَفْعَلْ فَإِنَّ مُقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَامًا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَيُدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ اغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" رواه الترمذي وحسنه عن أبي هريرة . وعنه قال: قيل يا رسول الله ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال "لا تستطيعونه" فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول "لا تستطيعونه"، ثم قال:" مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلا صَلاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى" متفق عليه وهذا لفظ مسلم .

وقال شيخ الإسلام ابنُ تيمية : ( إن الجهاد أفضل من الحج والعمرة ومن التعبد في المسجد الحرامِ الذي تعدلُ الصلاة فيه مائةَ ألف صلاة في غيره من المساجد، وقد استدل على ذلك بقوله تعالى: ) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ( سورة التوبة : (19 – 21) ، ) انظر (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 5، وج35 ص 160. وقد ورد في تفسير هذه الآية وفي سبب نزولها الحديث الذي رواه مسلم عن النعمان بن بشير عندما اختلف الصحابة في أي العمل أفضل؟ فنزلت الآية فحكمت بينهم.

وقال ابن تيمية في موضع آخر:[ وكذلك اتفق العلماء ـ فيما أعلم ـ على أنه ليس في التطوعات أفضل من الجهاد. فهو أفضل من الحج، وأفضل من الصوم التطوع، وأفضل من الصلاة التطوع.

والمرابطة في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة وبيت المقدس، حتى قال أبو هريرة t : لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر عند الحجر الأسود. فقد اختار الرباط ليلة على العبادة في أفضل الليالي عند أفضل البقاع، ولهذا كان النبي e وأصحابه يقيمون بالمدينة دون مكة، لِمَعَانٍ منها أنهم كانوا مرابطين بالمدينة. فإن الرباط هو المقام بمكان يخيفه العدوُ ويخيف العدوَ.

فمن أقام فيه بنية دفع العدو فهو مرابط، والأعمال بالنيات. قال رسول الله e :"رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ" رواه أهل السنن وصححوه . وفي صحيح مسلم عن سلمان، أن النبي e قال:" رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا أُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ" يعني منكرا ونكيرا. فهذا في الرباط فكيف الجهاد؟ (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 418 .

وقال ابن قدامة الحنبلي: [قال أبو عبد الله ـ أحمدُ بن حنبلٍ ـ لا أعلم شيئا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد][350] روى هذه المسألة عن أحمد جماعة من أصحابه ، قال الأثرم: قال أحمد لا نعلم شيئا من أبواب البر أفضل من السبيل، وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله وذُكِرَ له أمرُ الغزو فجعل يبكي ويقول ما من أعمال البر أفضلُ منه، وقال عنه غيره: ليس يَعْدِل لقاء العدو شيءٌ ومباشرة القتال بنفسه أفضل الأعمال، والذين يقاتلون العدوَ هم الذين يَدْفَعون عن الإسلام وعن حريمهم فأي عمل أفضل منه؟ الناس آمنون وهم خائفونَ قد بذلوا مُهَجَ أنفسهم ـ إلى قوله ـ ولأن الجهادَ بذلُ المهجةِ والمال ونفعه يعم المسلمين كلهمْ صغيرَهم وكبيرَهم، قويَهم وضعيفَهم، ذكرَهم وأنثَاهم، وغيره لا يساويه في نفعه وخطره فلا يساويه في فضله وأجره . (المغني والشرح الكبير ج 10 ص 368 ـ 369 ).

وقال الإمام السَرخسيُّ في شرحه لكتاب (السير الكبير) للإمام محمد بن حسن الشيباني أن النبي e قال فيما رواه معاوية بن قرة: "في كل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد"، قال السَرخسي: [ومعنى الرهبانية التفرغُ للعبادة، وترك الاشتغالِ بعملِ الدنيا، وكان ذلك في الأمم الخالية بالاعتزال عن الناس والـمُقَامِ في الصوامع، فقد كانت العزلة فيهم أفضل من العِشْرة، ثم نفى النبي e ذلك بقوله: "لا رهبانية في الإسلام" وبين طريق الرهبانية لهذه الأمة بالجهاد ففيه العِشْرة مع الناس، والتفرغ عن عمل الدنيا والاشتغال بما فيه سنام الدين، وقد سمى رسول الله e الجهاد سنام الدين، وفيه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر وهو صفة هذه الأمة، وفيه تعرض لأعلى الدرجات وهو الشهادة فكان أقوى وجوه الرهبانية. أ ـ هـ ].

ولذلك ينبغي ألا يتعلل مسلم بانشغاله في الطاعات الأخرى للقعود عن التدريب والجهاد، بل هذا من تلبيس الشيطان، وهي العقبة السادسة من العقبات التي يضعها الشيطان في طريق العبد كما ذكرها ابن القيم، فالعقبة الأولى محاولة ايقاعه في الكفر، والثانية في البدع، والثالثة في الكبائر، والرابعة في الصغائر، والخامسة في شغله بالمباحات عن الطاعات، قال ابن القيم: [العقبة السادسة: وهي العقبة المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحَسَّنها في عينه، وزَيَّنها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسبا وربحا، لأنه لَمَّا عجز عن تخسيره أصل الثواب طمع في تخسيره كَمَاله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل وبالمرجوح عن الراجح وبالمحبوب لله عن الأحب إليه وبالمرضي عن الأرضى له ـ إلى قوله ـ وفي الحديث الآخر "الجهاد ذروة سنام الأمر" ـ إلى قوله ـ ولا يقطع هذه العقبة إلا أهل البصائر والصدق من أولي العزم، السائرون على جادة التوفيق قد أنزلوا الأعمال منازلها وأعطوا كل ذي حق حقه] (مدارج السالكين ج 1 ص 222 ـ 226 ) .

فهذا إيضاح في مسألة تفاضل الأعمال وهو أصل مقرر في عقيدة أهل السنة، يدل عليه قول رسول الله e : "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ" ( رواه مسلم عن أبي هريرة ) . والإيضاح الثاني هو أنه لا ينبغي للمسلم أن يحزن إذا عجز حين التدريب والجهاد عن المواظبة على ما اعتاده من النوافل كالتلاوة والذكر والصلاة والصيام، فأجر ذلك كله يجري عليه إن شاء الله، لقول رسول الله e : "إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا" ( رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري ).

ويجب على كل من يسر الله له أمر التدريب والجهاد أن يحمد الله على هذه النعمة التي حُرِمَ منها الأكثرون، وقد قال رسول الله e : "مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ" ( رواه البخاري عن عبد الرحمن بن جبير ). وقال e : "مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" ( رواه أبو داود والترمذي وحسنه عن معاذ )، إلا أن الثواب في هذه الأحاديث معلق على انتفاء المانع في حق صاحبه، فقد رأينا آنفا رجالا قاتلوا في حضرة النبي e وقال عنهم إنهم في النار، وكذلك حديث الذي قاتل ليقال عنه أنه جريء، والمانع قد يكون حَالاً يعرض للمسلم حال جهاده كالرياء والعجب والمن والخيانة والغلول، وقد يكون آجلا يعرض له بعد الجهاد فيما بقي من حياته، كما ورد في حديث الصادق المصدوق عن ابن مسعود مرفوعا "فَوَالله الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا" متفق عليه . وقال e :"إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ" رواه البخاري عن سهل بن معاذ . وقال ابن حجر في شرحه: [ قال ابن بطال: في تَغْيِيب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة وتدبير لطيف، لأنه لو علم وكان ناجيا أُعْجِبَ وكسل، وإن كان هالكا ازداد عتوا، فَحُجِبَ عنه ذلك ليكون بين الخوف والرجاء] (فتح الباري) ج 11 ص 330. فاحرص على ألا يعرض لك ما يضيع ثواب جهادك.

ألا ترى إلى قوم جاهدوا مع النبي e وأخبر عنهم إنهم في النار، وقوم صحبوه e ثم ارتدوا بعد مماته. فهذا في سوء الخاتمة بعد عمل الصالحات.

ثم انظر كذلك إلى قاتل المائة كيف تاب الله عليه وطوى له الأرض، وإلى سحرة فرعون قال ابن كثير:[فكانوا في أول النهار سَحَرَة، فصاروا في آخره شهداء بررة] ج 2 ص 238 ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وهذا في حسن الخاتمة بعد عمل السيئات.

وقد قال الله تعالى:)وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ( سورة المؤمنون : (60). قال ابن كثير في تفسيرها: [روى الإمام أحمد عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله )وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ( هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل؟ قالe :"لا يا بنت الصديق ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل". وهكذا رواه الترمذي وابن أبي حاتم من طريق مالك بن مِغْوَل به نحوه قال "لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون وهم يخافون ألا يتقبل منهم» أ ـ هـ]. فهؤلاء الموصوفون يخشون ألا تقبل أعمالهم لسببين:

الأول: أن (الأعمال بالخواتيم) وهم لا يدرون بم سوف يختم لهم.

الثاني: أنه وإن ختم لهم بخير فإنهم لا يدرون هل سيقبل الله عملهم أم لا؟ فإن العمل قد يكون ظاهره الخير والتمام، إلا أن هناك عِلَّة خفية تمنع قبوله عند الله كالرياء والعجب والمن والأذى وأكل الحرام، وغيرها. وإن خلص العمل من علل عدم القبول فالأمر بعد ذلك موقوف على رحمة الله تعالى للعبد، كما قال e : "لن ينجو أحد منكم بعمله" رواه مسلم عن أبي هريرة . وقال e :"سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنَّهُ لا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ قَالُوا وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ" رواه البخاري عن عائشة. وقال ابن حجر: [ وأن الجنة لا يدخلها أحد بعمله بل برحمة الله ـ إلى قوله ـ وقال ابن الجوزي: يتحصل عن ذلك أربعة أجوبة: الأول: أن التوفيق للعمل من رحمة الله، ولولا رحمة الله السابقة ما حصل الإيمان ولا الطاعة التي يحصل بها النجاة، الثاني: أن منافع العبد لسيده فعمله مستحق لمولاه، فمهما أنعم الله عليه من الجزاء فهو من فضله، الثالث: جاء في بعض الأحاديث أن نفس دخول الجنة برحمة الله واقتسام الدرجات بالأعمال، الرابع: أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير والثواب لا ينفذ، فالإنعام الذي لا ينفذ في جزاء ما ينفذ بالفضل لا بقابلة الأعمال. أ ـ هـ] (فتح الباري) ج 11 ص 295 ـ 296.

المقصد من هذا: أن المسلم القاصد للجهاد في سبيل الله، عليه أن يحرص أشد الحرص على ألا يفسد ثواب جهاده بأي شيء من الأعمال الظاهرة أو القلبية سواء وهو في ميدان الجهاد أو فيما يَسْتَقْبِل من عمره حتى يلقى الله تعالى. نسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة وقبول الأعمال الصالحة.

^ ^ ^ ^ ^


مسألة

سألني أحد الإخوة، قال: إذا أخذ المجاهد عطاءاً (أي معاشا ماليا) لينفق على نفسه أو على عياله، أو إذا غزا فنال شيئا من الغنيمة، هل ينقص ذلك من ثواب جهاده عند الله شيئا، مع العلم بأنه ما خرج للجهاد إلا لتكون كلمة الله هي العليا؟

الجواب: نعم، كل نفع دنيوي يحصل للمجاهد في سبيل الله ضِمْناً لا قصدا ينقص من أجره عند الله. وتفضيل ذلك أن الخارج للجهاد لا تخلوا نيته عن حال من أربع:

الأولى: رجل خرج للغزو وليس قصده أن تكون كلمة الله هي العليا، بل قصده المال أو الرياسة أو السمعة أو غير ذلك من حظوظ الدنيا، أو التجسس على المسلمين أو ليخلو برجل من المسلمين ليقتله أثناء الحرب. فهذا فيه الوعيد بالنار، لحديث أبي هريرة الذي ذكرته من قبل، وفيه: "قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّار" رواه مسلم . ومع ذلك ـ أي مع فساد نية هذا ـ قد يحدث على يديه إعلاء كلمة الله ضمنا، وهذا هو المقصود بقوله e :"وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ" رواه البخاري .وفي رواية:"وَبِأَقْوامٍ لاَ خَلاَقَ لَهُم" رواه أحمد والطبراني عن أبي بكرة .

الثانية: رجل خرج للغزو وقصده إعلاء كلمة الله، وقصده أيضا حظ نفسه من مال أو سمعة أو رياسة، فهذا لا أجر له، لما رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي أمامة بإسناد جيد، قال:"جاء رجل فقال: يا رسول الله، أَرَأَيْتَ رَجُلا غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَالَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ e لا شَيْءَ لَهُ فَأَعَادَهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ e لا شَيْءَ لَهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ".

الثالثة: رجل خرج للغزو وقصده إعلاء كلمة الله، لا قصد له غير هذا، ثم حصل له شيء من المغنم ضِمْناً لا قصدا، فهذا له أجر الجهاد في سبيل الله، ولكن نقص أجره بسبب ما ناله من غنيمة بخلاف الحال الرابع. وهذا الحال الثالث هو موضع السؤال، فكل نفع دنيوي يُنْقِصُ الأجر.

الرابعة: رجل خرج للغزو، وقصده إعلاء كلمة الله، لا قصد له غير هذا، ولم يحصل له شيء من حظوظ الدنيا، فهذا له الأجر كاملا، وهؤلاء درجات، أدناهم من رجع من الغزو سالما بلا غنيمة وأعلاهم من أهريق دمُه وعُقِرَ فرسُه وذَهَبَ مالُه في سبيل الله، وبينهما المصاب والشهيد.

ودليل الحالتين الثالثة والرابعة، هو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي e قال: "مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ" رواه مسلم . وله في رواية أخرى: "مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلا تَمَّ أُجُورُهُمْ"؛ والإخفاق هو أن يغزو فلا يغنموا شيئا.

فهذا نص واضح صريح في أن من غزا ونيته صالحة (في سيبل الله) إن رجع بشيء من الغنيمة نقص ذلك ثلثي أجره الأخروي (وهي الحالة الثالثة التي ذكرتها، وهي موضع السؤال وإن لم يرجع بشيء تم له أجره في الآخرة (وهي الحالة الرابعة).

وقد أورد البخاري رحمه الله هذه المسألة في كتاب فرض الخمس من صحيحه في باب (من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره؟) هكذا معلقا الحكم ولم يجزم فيه بشيء. وأورد فيه حديث أبي موسى الأشعري "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا". وفَصَّل ابن حجر الأحوال المختلفة ولم يجزم في الحكم (فتح الباري ج 6 ص 28، 29، 226)، بخلاف النووي الذي جزم في الحكم في هذه المسألة فقال في شرح حديث عبد الله بن عمر السابق "مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو..." قال النووي:[فالصواب الذي لا يجوز غيره أن الغزاة إذا سَلِموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم، أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة، كقوله "مِنَّا من مات ولم يأكل من أجره شيئا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يَهْذِبُهَا" أي يَجْتَنِيها فهذا الذي ذكرنا هو الصواب وهو ظاهر الحديث ولم يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا فتعين حمله على ما ذكرنا وقد اختار القاضي عياض معنى هذا الذي ذكرناه بعد حكايته في تفسيره أقوالا منها قول من زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح ولا يجوز أن ينقص ثواب أهل بدر، وهم أفضل المجاهدين وهي أفضل الغنيمة، قال وزعم بعض هؤلاء أن أبا هانئ حميد بن هانئ رَاوِية مجهول ورَجَّحوا الحديث السابق في أن المجاهد يرجع بما نال من أجر وغنيمة فرَجَّحوه على هذا الحديث لشهرته وشهرة رجاله ولأنه في الصحيحين وهذا في مسلم خاصة، وهذا القول باطل من أوجه فإنه لا تعارض بينه وبين الحديث المذكور، فإن الذي في الحديث السابق رجوعه بما نال من أجر وغنيمة ولم يقل أن الغنيمة تنقص الأجر أم لا، ولا قال أجره كأجر من لم يغنم فهو مطلق وهذا مقيد فوجب حمله عليه. وأما قولهم أبو هانئ مجهول فغلط فاحش بل هو ثقة مشهور روى عنه الليث بن سعد وحَيْوة وابن وهب وخلائق من الأئمة ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به في صحيحه. وأما قولهم إنه ليس في الصحيحين فليس لازما في صحة الحديث كونه في الصحيحين وليس في أحدهما. وأما قولهم في غنيمة بدر، فليس في غنيمة بدر نص أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم وقد غنموا فقط، وكونهم مغفورا لهم مرضيا عنهم ومن أهل الجنة لا يلزم أن لا تكون وراء هذا مرتبة أخرى هي أفضل منه مع أنه شديد الفضل عظيم القدر. من الأقوال الباطلة ما حكاه القاضي عن بعضهم أنه قال لعل تعجل ثلثي أجره إنما هو في غنيمة أخذت على غير وجهها وهذا غلط فاحش إذ لو كانت على خلاف وجهها لم يكن ثلث الأجر. وزعم بعضهم أن المراد أن التي أخفقت يكون لها الأجر بالأسف على ما فاتها من الغنيمة فيضاعف ثوابها كما يضاعف لمن أصيب في ماله وأهله وهذا القول فاسد مباين لصريح الحديث. وزعم بعضهم أن الحديث محمول على من خرج بِنِيَّة الغزو والغنيمة معاً فنقص ثوابه وهذا أيضا ضعيف. والصواب ما قدمناه والله أعلم.] (صحيح مسلم بشرح النووي) ج 13 ص 52 ـ 53.

قلت: وقد ورد في كتاب (نيل الأوطار) للشوكاني ج 8 ص 32 وما بعدها، باب مستقل لبحث هذه المسألة، وهو باب (ما جاء في إخلاص النية في الجهاد وأخذ الأجرة عليه والإعانة ) حيث ذكر مجموع الأدلة السابقة وما ذكره ابن حجر، ولم يجزم في المسألة بخلاف النووي.

وهذا ما تيسر من الكتابة عن الإخلاص والإحتساب، عسى الله أن ينفعنا به والقارئ الكريم. آمين.

 

^ ^ ^ ^ ^


أهمية التدريب العسكري للمسلمين

 

قال e :"يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا" قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ قَالَ:"أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ تُنزعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيُجْعَل فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ" قَالُوا وَمَا الْوَهَنُ؟ قَالَ: "حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ" رواه أحمد عن ثوبان، ورواه أبو داود كذلك عنه، وصححه الشيخ الألباني .

وقال e: "إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ" رواه أبو داود عن ابن عمر بإسناد حسن، وصححه الألباني .

والحديثان بمعنى واحد، وهما ـ ولاشك ـ يصفان حال المسلمين اليوم، أحبوا الدنيا وكرهوا الموت وتركوا الجهاد، فسَلَّط الله عليهم الأمم الكافرة تسومهم الذل والهوان وهذه عقوبة قدرية واقعة لا محالة بتاركي الجهاد، كما قال الحق جل وعلا: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(سورة التوبة: (38 - 39). فالعذاب الأليم في الآية، منه الذل المذكور في حديث ابن عمر، ومنه تداعي الأمم علينا المذكور في حديث ثوبان. والخَلاَص من هذا يكون كما أخبر النبي e: "لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" وهذا يكون بالعودة إلى الجهاد المذكور في أول الحديث، وهذا يتفق مع قول الله تعالى: )وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ( سورة التوبة : (36). وقول الله تعالى:)وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ( سورة الأنفال : (39).

ولاشك أن هذا الأمر الرباني سيثير سؤالا. وهو كيف لنا بتنفيذ هذا الأمر، ونحن ـ المسلمين ـ قد بلغنا من العجز والفرقة والفتن تجعل الحليم حيران؟

ونُجيب بقول ابن تيمية: [يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب] (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 259.

والإعداد للجهاد نوعان: إعداد إيماني بالعلم الشرعي، والتزكية )يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ( سورة الجمعة : (2) . وإعداد مادي بإعداد القوة والتدرب عليها وبالنفقة في سبيل الله. وسنرجئ الكلام عن الإعداد الإيماني، ونبدأ بضوابط الإعداد المادي للجهاد، إذ أنه سبب كتابة هذه الرسالة، فنقول قد أمر الله تعالى به في قوله تعالى: )وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ( سورة الأنفال : (60) . وورد في تفسير هذه الآية حديث عقبة بن عامر t قال: سمعت رسول الله eوهو على المنبر يقول: ")وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ(، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي" رواه مسلم . وهذا التفسير من النبي e للآية هو نص في موضع النـزاع بين من يقول إن الإعداد للجهاد يكون بالتدريب على السلاح وبين من يقول الإعداد يكون بالتربية والتزكية، إذ إن الحديث يبين أن القوة التي أمر الله بإعدادها هي القوة المادية من مختلف أسلحة الرماية مع التدريب عليها، وهذا مما لا يسع المسلم تركه كما سنذكر في حكم التدريب.

أما التربية والتزكية فهي داخلة في الإعداد الإيماني للجهاد وسنذكر دليل ذلك فيما بعد، ومعسكرات التدريب وساحات الجهاد لو أُحْسِنَ رعايتها تكون خير مكان لتربية الرجال والكشف عن معادنهم وسلوكهم، بما توفره من طول المعاشرة والتعرض للمشاقّ والأسفار. وسنتكلم عن الإعداد الإيماني في أكثر من موضع في هذه الرسالة إن شاء الله تعالى. فلا خلاف على ضرورة الإعداد الإيماني مع الإعداد المادي، أمَّا أن يُصْرَف معنى الإعداد في الآية على الإعداد الإيماني وحده، أو اتخاذ الإعداد الإيماني ذريعة للقعود عن الإعداد المادي والتدريب فهذا ما يأباه النص القرآني والحديث، ونحن بالتالي لا نرضى بذلك.

والخلاصة: إن أهمية التدريب العسكري تأتي من كونه أحد صور الإعداد للجهاد، والجهاد هو طريق الخلاص للمسلمين من غضب الرب سبحانه وتعالى، ومن حياة الذل والمهانة التي يحيونها في هذا الزمان.

^ ^ ^ ^ ^


حكم التدريب العسكري للمسلمين

 

هو واجب على كل مسلم[351] مكلف من غير أصحاب الأعذار الشرعية، إذ إنه مقدمة من مقدمات الجهاد، وأدلة وجوب التدريب هي:

1 - من المعلوم أن الجهاد يكون فرض عين على كل مسلم في مواضع مبينة في كتب الفقه، وهي كما ذكرها ابن قدامة الحنبلي في كتابِهِ المُغني قال: [ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع:

أحدها: إذا التقى الزحفان وتقابل الصَّفان حَرُمَ على من حضر الانصراف وتعين عليه المقام لقول الله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ( سورة الأنفال : (45 - 46) ، وقولـه تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ( سورة الأنفال : (15-16) .

الثاني: إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم.

الثالث: إذا استنفر الإمامُ قوماً لزمهم النفير معه، لقول الله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ(الآية والتي بعدها، وقال النبي e: "وإذا استنفرتم فانفروا" متفق عليه ] (كتاب المغني والشرح الكبير) ج 10 ص 365 ـ 366.

ويتضح من هذا أن الجهاد يكاد أن يكون فرض عين على جميع المسلمين الآن، خاصة الموضع الثاني (إذا نزل الكفار ببلد) فمعظم بلدان المسلمين الآن يحكمها ويتسلط عليها الكفار، إما مستعمر أجنبي كافر وإما حكومة محلية كافرة[352]. وإذا تعين الجهاد فإن تركه يكون من الكبائر للوعيد الوارد فيه، بل من السبع الموبقات بنص حديث النبي e [353].

ومن هنا يتبين وجوب التدريب العسكري لكونه من الإعداد للجهاد الذي يمكن أن يتعين على كل مسلم في أي وقت، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

2 - قولـه تعالى: )وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ( سورة الأنفال : (60) ، مع حديث عقبة بن عامر مرفوعا "ألا إن القوة الرمي" رواه مسلم وقد سبق . فالأمر للوجوب مع عدم وجود قرينة صارفة إلى الندب، فإذا وجب الإعداد، فقد وجب التدريب إذ أنه جزء هام من الإعداد.

وقال الصنعاني في شرح حديث عقبة هذا: [أفاد الحديث تفسير القوة في الآية بالرمي بالسهام لأنه المعتاد في عصر النبوة، ويشتمل الرمي بالبنادق للمشركين والبغاة، ويؤخذ من ذلك شرعية التدريب فيه، لأن الإعداد إنما يكون مع الاعتياد إذ من لم يحسن الرمي لا يسمى معدا للقوة (سبل السلام) ج 4 ص 1374 حديث 1236.

3 - قول الله تعالى: )وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ( سورة التوبة : (46) . فجعل سبحانه ترك إعداد العدة الجهاد (ومنه التدريب) من صفات المنافقين، وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من أن الأمر في قوله تعالى: )وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ( هو للوجوب لوقوع الذم على تركه، وهذا يتضح أيضا من قول رسول الله e: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِفَاقٍ" رواه مسلم عن أبي هريرة.

قول النبي e: "مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا أَوْ قَدْ عَصَى" رواه مسلم عن عقبة بن عامر. وقال النووي: [هذا تشديد عظيم في نسيان الرمي بعد علمه، وهو مكروه كراهة شديدة لمن تركه بلا عذر].

قلت فإذا كان هذا الزجر والوعيد في حق من تعلم الرماية ثم لم يواظب على التدريب حتى لا ينساها، فكيف بمن لم يتعلمها ابتداء؟.

وهناك أدلة أخرى، فنكتفي بما سبق خشية الإطالة. والخلاصة أن التدريب العسكري واجب على كل مسلم مكلف من غير ذوي الأعذار.

ويقول الأستاذ محمد شيت خطاب الكاتب في العسكرية الإسلامية: [(التدريب على السلاح) لا قيمة لأي سلاح من الأسلحة إلا باستعماله، والتدريب على استعمال السلاح تدريبا راقيا دائبا هو الذي يؤدي إلى استعماله بكفاية، والمقاتل المُدَرَّب على استعمال سلاحه هو وحده يستطيع استعماله بنجاح، أما المقاتل غير المُدَرَّب فلا يستفيد من سلاحه كما ينبغي، والمُدَرَّب يستطيع التغلب على غير المُدَرَّب بسهولة ويسر ـ إلى قوله ـ وقد كان العرب قبل الإسلام يتدربون على استعمال السلاح ولكن لم يكن تدريبهم إلزاميا، فكان منهم من لا يتدرب بحسب رغبته وهواه. فلما جاء الإسلام أمر بالتدريب وحث عليه، لأن الجهاد فرض على كل مسلم قادر على حمل السلاح. فالمسلمون كلهم جند في جيش المسلمين، يجاهدون في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا.

وقد وردت أحاديث كثيرة في الحث على الرمي ـ وساق جملة منها إلى قوله ـ وقال عليه الصلاة والسلام: "مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا" رواه أحمد ، وقد شوهد كثير من الأئمة وكبار العلماء يمارسون الرمي بعد أن بلغوا الشيخوخة المتقدمة، ومنهم أحمد بن حنبل t ، فإذا سئلوا عن سبب هذه الممارسة أو لمحوا استغراب الناس مما يفعلون أجابوا المتسائلين والمستغربين بهذا الحديث النبوي الشريف.] ص 146 ـ 149 (كتاب العسكرية العربية الإسلامية) لمحمود شيت خطاب ط مؤسسة الرسالة 1405هـ

قلت: ومن الذين استمروا في التدريب على الرمي حتى الشيخوخة عقبة بن عامر الصحابي، راوي الحديث، وقد قال هذا الحديث لما استغرب الراوي عند تَدَرُّبَه في شيخوخته، فروى له الحديث كما في صحيح مسلم.


1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 |


دًè èٌïîëüçîâàيèè ىàٍهًèàëà, ïîٌٍàâèٍه ٌٌûëêَ يà رٍَنàëë.خًم (0.053 ٌهê.)