ہâٍîہâٍîىàٍèçàِèےہًُèٍهêًٍَàہًٌٍîيîىèےہَنèٍءèîëîمèےءَُمàëٍهًèےآîهييîه نهëîأهيهٍèêàأهîمًàôèےأهîëîمèےأîٌَنàًٌٍâîؤîىؤًَمîهئًَيàëèٌٍèêà è رجببçîلًهٍàٍهëüٌٍâîبيîًٌٍàييûه ےçûêèبيôîًىàٍèêàبٌêٌٌٍَâîبٌٍîًèےتîىïü‏ٍهًûتَëèيàًèےتَëüًٍَàثهêٌèêîëîمèےثèٍهًàًٍَàثîمèêàجàًêهٍèيمجàٍهىàٍèêàجàّèيîًٌٍîهيèهجهنèِèيàجهيهنوىهيٍجهٍàëëû è رâàًêàجهُàيèêàجَçûêàحàٌهëهيèهخلًàçîâàيèهخًُàيà لهçîïàٌيîٌٍè وèçيèخًُàيà زًَنàدهنàمîمèêàدîëèٍèêàدًàâîدًèلîًîًٌٍîهيèهدًîمًàىىèًîâàيèهدًîèçâîنٌٍâîدًîىûّëهييîٌٍüدٌèُîëîمèےذàنèîذهمèëèےرâےçüرîِèîëîمèےرïîًٍرٍàينàًٍèçàِèےرًٍîèٍهëüٌٍâîزهُيîëîمèèزîًمîâëےزًَèçىشèçèêàشèçèîëîمèےشèëîٌîôèےشèيàيٌûصèىèےصîçےéٌٍâîضهييîîلًàçîâàيèه×هً÷هيèهفêîëîمèےفêîيîىهًٍèêàفêîيîىèêàفëهêًٍîيèêàقًèٌïَينهيêِèے

ئالخلاصة: على من يجب التدريب العسكري؟

×èٍàéٍه ٍàêوه:
  1. على مَنْ يجب التدريب العسكري؟

يجب على كل مسلم بلغ الخامسة عشرة من عمره وهو عاقل سالم من العاهات والأمراض المانعة من التدريب، واجداً للنفقة إذا لم يتم التدريب إلا بها.

ومعنى هذا أننا جعلنا التدريب فرض عين على المسلمين، فيسقط اعتبار الحرية والذكورية وإذن الوالدين وإذن الدائن. وذكرت ما يخص المرأة على التفصيل من قبل.

والأمة المسلمة أمة مجاهدة، وهي الوحيدة من أمم الأنبياء المكلفة بنشر دينها في الناس كافة، فقد قال رسول الله e: "وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» رواه البخاري عن جابر، ولذلك قال e : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ" الحديث متفق عليه عن ابن عمر، وذلك استجابة لقوله تعالى: )هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ(سورة التوبة: (33) ، سورة الصف: (9). وهذه النصوص الشرعية تبين عِظَم التَّبِعَة المُلقاة على عاتق المسلمين في كل جيل، فالأمر جد لا هزل فيه.

وقد كان التدريب قديما ميسرا لكل مسلم وذلك لبساطة الأسلحة كما وكيفا، ولكن مع تطور الأسلحة باكتشاف البارود وظهور الأسلحة الفتاكة والثقيلة، خشي الحكام الظالمون من محاسبة الشعوب لهم، فَقَصَرُوا حمل السلاح والتدرب عليه على فئة محدودة موالية لهم من الشعب ومن الفئة المسماة بالجيش، وظلت بقية الشعب محرومة من ذلك، بل ومقهوره في أغلب الأحيان بالأقلية المسلحة، وحتى لا تشعر الشعوب بالقهر الحقيقي الذي يكتنفها، أغرقها الحكام الظالمون في كل ما يلهيها عن ذلك: من صراع على لقمة العيش إلى ملاهي وطرب إلى مسرح وسينما إلى ملاعب ومباريات إلى أندية ومسابقات إلى خِدَع صحفية إلى أحزاب وانتخابات وبرلمانات وغير ذلك من الأساليب الشيطانية لخِدَاع الشعوب.

فلإحباط هذه السياسات الشيطانية يجب على كل مسلم أن يغتنم أي فرصة تتاح له للتدريب وعليه أن يسعى لذلك: قال الله تعالى:)وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا( سورة الإسراء : (19) ، فإن ترك السعي في هذا الأمر أي ترك إعداد العدة للجهاد هو من صفات المنافقين، كما قال الحق جل وعلا: )وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ( سورة التوبة : (46) ، وعلى المسلم أن يحصل على أقصى قدر متيسر من التدريب، لقوله تعالى: )وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ( سورة الأنفال : (60) ، وللحديث: "وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" متفق عليه . وعلى المسلمين أن يتعاونوا على تحقيق هذا الواجب الشرعي، لقوله تعالى: )وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى(، ويكون ذلك بتيسير وصول المسلمين إلى ميادين التدريب والجهاد، وإمدادهم بالمال اللازم ورعاية أسرهم ومن يعولهم في غيابهم وغير ذلك من صور المعونة، فقد قال رسول الله e: "من جهز غازياً فقد غزا ومن خلف غازياً أو يخلف غازياً في أهله بخير فقد غزا" متفق عليه عن زيد بن خالد ، وقال e : "من لم يغز أو يُجهز غازياً أو يخلف غازياً في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة" رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي أمامة . وتتأكد هذه المعاونة خاصة في حق من لم يخرج بنفسه ، و )لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا( .



والحد الأدنى من التدريب ـ إن عُدم السلاح ـ هي الرياضة البدنية العنيفة ، فهي تنفع إن شاء الله مع النية الصالحة ، وهي أساس أي تدريب عسكري ، وهي متيسرة لجميع المسلمين ولو في غرفة ضيقة مع بعض الأدوات الرياضية البسيطة فلا ينبغي أن يُغفل عن هذا .

^ ^ ^ ^ ^


أصحاب الأعذار الشرعية

أقصد المعذورين من المكلفين أما غير المكلف (وهو غير المسلم وغير البالغ وغير العاقل أي الكافر أو الصبي أو المجنون) فلا نتكلم عنه هنا .

وإذا كنا قد ذكرنا من قبل أن التدريب يجب على كل مسلم بالغ عاقل سالم من الضرر واجد للنفقة، ذكر أو أنثى على احتياط بشأن تدريب المرأة ذكرته من قبل.

فما هي الأعذار الشرعية المُسْقِطة لوجوب التدريب؟. هي إما عجز من جهة القوة (عمى أو عرج أو عجز) أو عجز من جهة المال (عدم وجود النفقة) والآيات التي وردت فيها هذه الأعذار هي:

1 - آية النساء )لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ( سورة النساء : (95)، وأولوا الضرر هم أصحاب الأعذار.

2 - آية براءة )لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ(سورة التوبة: (91-93).

‡àمًَçêà...

3 - آية الفتح )لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ(سورة الفتح: (17).

4 - أما آية النور ففيها خلاف، هل هي خاصة بالجهاد أم بالمطاعم؟. وهي قوله تعالى: )لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا(سورة النور : (61).

وقد ذكر ابن قدامة الحنبلي أصحاب الأعذار أثناء كلامه عن شروط وجوب الجهاد، فقال: [وأما السلامة من الضرر فمعناه السلامة من العمى والعرج والمرض وهو شرط لقول الله تعالى: )لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ( ولأن هذه الأعذار تمنعه من الجهاد، وأما العمي فهو معروف، وأما العرج فالمانع منه هو الفحش الذي يمنع المشي الجيد والركوب كالزَّمانة ونحوها، وأما اليسير الذي يتمكن معه من الركوب والمشي وإنما يتعذر عليه شدة العَدْو فلا يَمْنَع وجوب الجهاد لأنه مُمْكن منه فشابَهَ الأعور، وكذلك المرض المانع هو الشديد فأما اليسير منه الذي لا يمنع إمكان الجهاد كوجع الضرس والصداع الخفيف فلا يمنع الوجوب لأنه لا يتعذر معه الجهاد فهو كالعور، وأما وجود النفقة فيشترط لقول الله تعالى: )لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ( سورة التوبة : (91) ، ولأن الجهاد لا يمكن إلا بآلة فيعتبر القدرة عليها، فإن كان الجهاد على مسافةٍ لا تُقْصَر فيها الصلاة اشترط أن يكون واجداً للزاد ونفقة عائلته في مدة غيبته وسلاح يُقَاتِل به ولا تُعْتَبَر الراحلة لأنه سفر قريب، وإن كانت المسافة تقصر فيها الصلاة اعتبر مع ذلك الراحلة لقول الله تعالى: )وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ( سورة التوبة :(92)] المغني والشرح الكبير ج 10 ص 367.

قلت: ويلحق بما ذكره ابن قدامة الشيخ الهرم الذي لا قوة فيه، لقوله تعالى: )لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ(
سورة التوبة : (91) ، فهو من الضعفاء.

^ ^ ^ ^ ^


الأعذار غير الشرعية

 

قَلَّما يتعذر المتخلفون عن الجهاد بأحد الأعذار الشرعية السابقة، بل جُلّ أعذارهم غير شرعية ردها عليهم وأبطلها. ومنها:

1 - ما ذكره الله عز وجل في آية التوبة: )قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ( سورة التوبة : (24)، وهذه الآية يسميها بعض العلماء آية الأعذار الثمانية، وأُسَـمِّيها آية إبطال الأعذار الثمانية، فلم يقبل الله تعالى هذه الأعذار للقعود عن الجهاد.، وسمى الله تعالى المعتذر بهذه الأعذار فاسقا، وتَوَعَّده سبحانه وتعالى بالضلال في قوله: )وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين( كما قال تعالى: )فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ( سورة الصف : ( 5) ، وتَوَعَّده سبحانه بالعذاب والنكال في قوله تعالى: )فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ( سورة التوبة : (24) ، وهذا كما قال رسول الله e : "إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ" رواه أحمد وأبو داود عن ابن عمر، وصححه الألباني. وهذه العقوبات قدرية لابد أن تحمل بكل متخلف عن الجهاد. وكل من آثر شيئا على طاعة الله عز وجل عذَّبه الله به، كما قال تعالى: )فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا( سورة التوبة : (55)، فليس حب البقاء في الأهل بعذر، ولا الخوف على الأموال والتجارة، ولا الوظيفة والدراسة، قد أبطل الله سبحانه هذه الأعذار. فالواجب أن يتكافل المسلمون فيما بينهم، فمن خرج منهم إلى الجهاد والتدريب وَجَبَ على الباقين كفالة أهله ورعايتهم، وهكذا يتناوبون الأمر بينهم، كما قال أبو سعيد الخدري إن رسول الله e بعثنا إلى بني لَحْيان فقال:"لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا وَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا" رواه مسلم ، وفي رواية "لِيَخْرُج مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ" ثم قال للقاعد:"أيكم خَلَفَ الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج".

2 - ومن الأعذار الباطلة ما ذكره الله عز وجل في قوله تعالى: )فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ( سورة التوبة : (81) . فلا الحر الشديد بعذر ولا البرد الشديد[355].

3 - ومن الأعذار الباطلة، القول بأن القائمين على أمر الجهاد ليسوا على المستوى الخلقي والتربوي والشرعي المطلوب، وبالتالي لا يجوز العمل معهم ! وهذه شبهة وجوابها أنه لو أن أمير الجهاد رجل فاجر وكذلك كثير من أتباعه، لكنهم يسعون لقتال الكافرين، فالواجب شرعا العمل معهم ومعاونتهم، وهذا أصل مقرر عند أهل السنة والجماعة، وسأشير إليه بالتفصيل في الباب الثالث، وأذكر هنا بعض ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المسألة قال: [ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لاخلاق لهم، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار، أو مع عسكر كثير الفجور، فأنه لابد من أحد أمرين: إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررا في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين، وإقامة أكثر شرائع الإسلام، وإن لم يمكن إقامة جميعها، فهذا هو الواجب في هذه الصورة، وكل ما أشبهها، بل كثيرت من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه] (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 506 ـ 507.

وقد كان المنافقون يغزون مع رسول الله e ولم يقل أحد لا نغزو مع النبي e طالما خرج المنافقون، ومنهم الذي قال في غزوة بني المصطلق )لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ( ، ومنهم الذين قالوا في غزوة الخندق )إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ( سورة الأحزاب : (13) ، ومنهم الذين سخروا من علماء الصحابة في غزوة تبوك فأنزل الله فيهم )وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ( سورة التوبة : (65) . وكان خلفاء بني أمية يؤخرون الصلوات وما قال أحد لا يجوز الغزو معهم (انظر كتاب مواقيت الصلاة بالبخاري حديث: 521، 530، 549 وشروحها) ،والأمثلة كثيرة. فهذه بعض الأعذار الباطلة التي لا تبيح التخلف عن الجهاد والتدرب له.

 

^ ^ ^ ^ ^


النفقة في سبيل الله

يكتفي في بيان أهمية النفقة أن الجهاد يسقط عن فاقد النفقة، كما سبق في الأعذار الشرعية المبيحة لترك الجهاد، وذلك بالنص كما قال تعالى: )لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ( سورة التوبة : (91). وهذا يعني باختصار أنه إذا كان لا مال فلا جهاد، ويعني أيضا أن حبس الأغنياء أموالهم عن المجاهدين معناه الصد عن سبيل الله تعالى وإعلاء سلطان الكافرين، وحبس الأموال عن أهل الإيمان والجهاد هو من صفات المنافقين كما قال تعالى: )هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ( سورة المنافقون : (7) .

ولذلك فإن من الأسرار اللطيفة في آيات الجهاد بالقرآن، تقديم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في جميع الآيات التي جمعت بينهما إلا آية بَيْعة الجهاد بسورة التوبة، وهي على وجه الحصر عشر آيات كالتالي حسب ترتيب السور:

1 - النساء قوله تعالى: )لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ( سورة النساء : (95).

2 - الأنفال قوله تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ( سورة الأنفال : (72).

3 - التوبة قوله تعالى: )الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ( سورة التوبة : (20) ، والآيات 41 و44 و81 و88 بالتوبة.

4 - الحجرات: قوله تعالى: )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ( سورة الحجرات : (15).

5 - الحديد: قوله تعالى: )لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا( سورة الحديد : (10).

6 - الصف: قوله تعالى: )تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ( سورة الصف : (11). أما الآية الفريدة التي قُدمت فيها النفس على المال فهي قوله تعالى: )إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ( سورة التوبة : (111).

فتقديم المال على النفس في معظم الآيات ليس لفضله على النفس، بل إن الجهاد بالنفس أعظم ولكنه لا يتم إلا بالمال، فالإنفاق في سبيل الله لازم لإعداد الجيوش ولا يتم الجهاد بالنفس إلا بعد الجهاد بالمال، أما آية )إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى( فهذا مقام المبايعة مع الله وقد عرض الله سلعة غالية فوجب على العبد أن يقدم في شرائها أغلى ما يملك وهي النفس، فلذلك قدمت النفس على المال في هذه الآية التي تُبَيِّن كرم الله عز وجل فإنه يملك نفوس الخلق جميعا ومع ذلك فقد اشتراها من المؤمنين بالعِوض وهو الجنة.

ولذلك أقول إن تقديم المال على النفس في معظم الآيات هو تقديم ترتيب إذ لا يتم الجهاد بالنفس إلا بعد بذل المال، أما تقديم النفس على المال في آية المبايعة فهو تقديم تفضيل، كما قال الشاعر:

 

الجود بالمال جود فيه مكرمة   والجود بالنفس أقصى غاية الجود

 

ومعلوم كذلك أن النفس مقدمة على المال في الضروريات الشرعية الخمس، وقد أشار إلى هذا التقديم والتأخير العلامة الشنقيطي في تفسيره (أضواء البيان) عند تفسير آية الصف، فقال: [في هذه الآية الكريمة تقديم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في قوله تعالى: )وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ( سورة الصف : (11). وفي آية إن الله اشترى من المؤمنين، قدم النفس على المال فقال: )اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ(، وفي ذلك سر لطيف. أما في آية الصف، فإن المقام تفسير وبيان لمعنى التجارة الرابحة بالجهاد في سبيل الله.

وحقيقة الجهاد بذل الجهد والطاقة، والمال هو عصب الحرب، وهو مدد الجيش. وهو أهم من الجهاد بالسلاح، فبالمال يُشترى السلاح، وقد تُستأجر الرجال كما في الجيوش الحديثة من الفرق الأجنبية، وبالمال يُجَهز الجيش، ولذا لما جاء الإذن بالجهاد أعذر الله المرضى والضعفاء، وأَعْذَرَ معهم الفقراء الذين لا يستطيعون تجهيز أنفسهم، وأَعْذَرَ معهم الرسول e إذ لم يوجد عنده ما يجهزهم به كما في قوله تعالى: )لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى( إلى قوله: )وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ(.

وكذلك من جانب آخر، قد يُجَاهِد بالمال من لا يستطيع بالسلاح كالنساء والضعفاء، كما قال e : "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا".

أما الآية الثانية، فهي في معرض الاستبدال والعرض والطلب أو ما يسمى بالمساومة، فقدم النفس لأنها أعز ما يملك الحي، وجعل في مقابلها الجنة وهي أعز مايو هب] (أضواء البيان) ج 8 ص 184ـ 185.

قلت: وإذا تأملت آية الأمر بالإعداد وهي قوله تعالى: )وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ( تجدها قد خُتِمَت بالنفقة، فقال تعالى: )وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ( مما يدل على أهمية المال للإعداد للجهاد.

ولهذه الأهمية خُصَّت النفقة في سبيل الله بتضعيف ثوابها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، قال تعالى: )مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ( سورة البقرة : (261).

وقد تكلم إمام الحرمين الجويني في هذه المسألة وقال إن إعداد المال للجهاد يتنزل منزلة إعداد الرجال، وأوجب على الموسرين أن يقوموا بكفاية الجند إن لم يف بيت المال بذلك وأن على الإمام أن يفرض على الأغنياء ما يسد به الكفاية (الغياثي) ط 2 تحقيق د/عبد العظيم الديب ص 256 ـ 273.

فأقول يجب على المسلمين تجهيز كل من يريد قصد ميادين التدريب والجهاد، بالمال والسلاح ويجب على المسلمين كفالة أسر المجاهدين خاصة أسر الشهداء والأسرى والجرحى والمعوقين وكل من أوذي في سبيل الله إيذاء منعه من التكسب لعياله، فإن قعود المسلمين عن معاونة هؤلاء هو من أعظم أسباب الصد عن سبيل الله، فإن الرجل إذا تيقن ضياع عياله من بعده صده ذلك عن الجهاد في سبيل الله، وترك إعانة المجاهدين هو من صفات المنافقين كما قال تعالى: )هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ( سورة المنافقون : (7) ، وقال تعالى:)هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ(سورة محمد : (38) .

^ ^ ^ ^ ^


مسألة

 

هذا، وكان أحد الإخوة قد سألني عن رجل أصاب مالا حراما، أو يغلب على كسبه الحرام، هل يقبل منه تبرعات للجهاد مع العلم بهذا؟.

فأجبته بما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذا الشأن، قال: [حتى لو كان الرجل قد حمل بيده مال حرام وقد تعذر رده إلى أصحابه لجهله بهم ونحو ذلك، أو كان بيده ودائع أو رهونا أو عوار قد تعذر معرفة أصحابها فلينقها في سبيل الله، فإن ذلك مصرفها.

ومن كان كثير الذنوب فأعظم دوائه الجهاد، فإن الله عز وجل يغفر ذنوبه، كما أخبر الله في كتابه بقوله سبحانه وتعالى: )يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ( سورة الصف : (12) . ومن أراد التخلص من الحرام والتوبة ولا يمكن رده إلى أصحابه فلينفقه في سبيل الله عن أصحابه، فإن ذلك طريق حسنة إلى خلاصه، مع ما يحصل له من أجر الجهاد] (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 421 ـ 422.

قلت والآية المذكورة بتمامها هي قوله تعالى: )يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ` يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ( سورة الصف : (10 ـ 12). فبين الله عز وجل أن الجهاد بالمال والنفس من أسباب غفران الذنوب، وما يتبع ذلك من دخول الجنات.

والكلام السابق لشيخ الإسلام فيه الإجابة على الأخ السائل، وقد ذكرته هنا لينتفع به غيره، وهو أنه يجوز أن يقبل المال الحرام للنفقة في سبيل الله.

ولكن هل من أَعْطَى هذا المال الحرام يرتفع بذلك إثمه أو يثاب مع ذلك؟ يتوقف هذا على أمرين:

الأول: هل هذا المال الحرام من حقوق الناس ومظالمهم أم معصية في حق الله تعالى بين العبد وربه؟

الثاني: هل هذه العطية مقترنة بالتوبة ونية التخلص من الحرام أم لا؟ على تفصيل ليس هذا موضعه.

وقد قرر شيخ الإسلام الأصل السابق في أكثر من موضع في فتاويه: أن المال الحرام أو الذي لا يُعْرَف صاحبه يتصدق به ويصرف في مصالح المسلمين، وتقرأ في المجلد التاسع والعشرين في ص 262 كلامه عن مال الغُلُول من الغنيمة، وفي ص262 عن ما أخذ ظلما وفي ص250 عن اللقطة، ص276 المال المغصوب، ص291 ربح البيع المنهي عنه، ص307 مال الربا، ص307 مال المُغَنية، ص309 مال البَغِيّ (المومسة) والخمار، وغيرها من المواضع ص260، 263، 310، 321، 360، 363. وذكر أن هذا هو قول جمهور الفقهاء.

ومثل هذا ما ذكره ابن رجب الحنبلي في كتابه (جامع العلوم والحكم) في شرح الحديث العاشر "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا". قال: [الوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب أن يتصدق به على صاحبه إذا عجز عن رده إليه وإلى ورثته، فهذا جائز عند أكثر العلماء: منهم مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم. قال ابن عبد البر ذهب الزهري ومالك والثوري والأوزاعي والليث إلى أن الغَالّ إذا تفرق أهل العسكر ولم يَصِل إليهم أنه يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي، رُوِيَ ذلك عن عبادة بن الصامت ومعاوية والحسن البصري، وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنهما كان يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه. ـ إلى أن قال ـ والمشهور عن الشافعي رحمه الله في الأموال الحرام أنها تحفظ ولا يتصدق بها حتى يظهر مستحقها. وكان الفضيل بن عياض يرى أن من عنده مال حرام لا يعرف أربابه أنه يُتْلِفه ويلقيه في البحر ولا يتصدق به، وقال: لا يتقرب إلى الله إلا بالطيب، والصحيح الصدقة به لأن إتلاف المال وإضاعته منهي عنه، وإرصاده أبدا تعريض له للإتلاف واستيلاء الظلمة عليه، والصدقة به ليست عن مكتسبه حتى يكون تقربا منه بالخبيث، وإنما هي صدقة عن مالكه ليكون نفعه له في الآخرة حيث يتعذر عليه الانتفاع به في الدنيا] (جامع العلوم والحكم) ص 29، 90. والله تعالى المستعان.

(فصل): وكما أن المال خير عظيم للجهاد، فقد يكون شرا مستطيرا عليه وذلك عندما يستخدم المال لشراء الذمم وبيع القضايا الإسلامية وتحويل مسار الجهاد أو التخلي عن بعض المبادئ، وقد تعرض النبي e للحصار الإقتصادي مدة ثلاث سنوات قضاها في شِعْب أبى طالب، وتعرض e للإغراء المالي حيث عَرَضَ عليه مشركو مكة أن يجمعوا له من أموالهم حتى يصير أغناهم على أن يتخلى عن دعوته صلى الله عليه وسلم، وما من قضية إسلامية إلا ولابد أن تتعرض للإغراء والتهديدكأساليب للضغط والمساومات وطلب التنازلات، فهذه سنة قدرية لابد أن تقع كما قال تعالى: )أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ( سورة العنكبوت : (2- 3)، وقال تعالى: )مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ( سورة آل عمران : (179). وكم من قضية رُفعت فيها الراية الإسلامية ويقاتل المسلمون تحتها لتنتهي القضية برفع الراية العلمانية بعد سقوط الآلاف من القتلى.

وقد يُستخدم المال لشق الصف الإسلامي، فيغفل المسلمون عن السلاح ويلتفتون إلى المال وقد حدث قريب من هذا من الرماة في غزوة أحد حتى كان ما كان، ومع الإلتفات إلى المال يدخل حب الدنيا وكراهة الموت وهو الوهن إلى القلوب وينتهي الأمر بالهزيمة، ومع الإلتفات إلى المال يدخل الحسد بين المسلمين فيتباغضون ويفترقون وقد يتقاتلون فيما بينهم. وكل ما سبق يُنْهِي قضية الجهاد بشر هزيمة. بعث سعد بن أبي وقاص خُمْسَ غنائم وقعة جلولاء إلى عمر بن الخطاب، قال ابن كثير: [ فلما نَظَرَ ـ عمر ـ إلى ياقوته وزبرجده وذهبه الأصفر وفضته البيضاء، بكى عمر، فقال له عبد الرحمن بن عوف: ما يُبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن هذا لموطن شكر، فقال عمر: والله ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى البغضاء بينهم، ثم قسمه كما قسم أموال القادسية (البداية والنهاية) ج 7 ص 70 .وقول عمر السابق مستفاد من حديث النبي e : "أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِني أَخَشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمُ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ" متفق عليه عن عمرو بن عوف الأنصاري. نسأل الله لنا ولكم العافية.

ومن الأساليب الشيطانية لشراء الحركات الجهادية واحتوائها، سياسة الإغراق المالي، فتغدق الجهة أو الدولة التي تريد شراء الحركة، الأموال على الحركة بلا حساب وبلا شروط، حتى إذا تضخمت أنشطة الحركة الجهادية وكثر أتباعها وصارت لا تستغني عن أموال هذه الجهة، أخذت هذه الجهة في فرض شروطها مقابل استمرار الدعم المالي، فإذا قبلت الحركة الجهادية هذا، فمعناه أنها تتمول تلقائيا إلى العَمَالَة، ويتحول المجاهدون إلى عملاء لا يفعلون إلا ما تسمح به الجهة الممولة وما يتفق مع سياستها، وتُشَلّ الأعمال القتالية للحركة ولكن لا بأس من استمرار رفع الشعارات لستر العورة، قال تعالى: )وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ( سورة إبراهيم : (46) ، فالواجب على المجاهدين الذين وهبوا أنفسهم لنصرة الله بصدق ألا يسقطوا في هذه المكيدة وألا يعتمدوا في الإنفاق إلا على مواردهم الذاتية فقط. وأهم موارد المجاهدين ينبغي أن تكون الغنيمة من عدوهم، وهكذا كل طائفة لابد أن تسعى لتأمين احتياجاتها المادية من عدوها، قال رسول الله e : "جُعِلَ رزقي تحت ظل رمحي" من حديث: "بعثت بالسيف بين يدي الساعة" رواه احمد بإسناد صحيح عن ابن عمر. وقال e "وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي" رواه البخاري عن جابر، وقال e : "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم" متفق عليه ، وعن عائشة قالت: (لما فُتِحَت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر) رواه البخاري ، وروي عن ابن عمر قال: (ما شبعنا حتى فتحت خيبر)، وقد قال الله عز وجل: )فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا( سورة الأنفال : (69).

والغنيمة هي ما أخذه المسلم من الكافر الحربي عَنْوَة بالقهر، والفيء هو ما أخذه المسلم من الكافر الحربي بغير قتال كالمال الذي يهرب عنه الكافر أو المال الذي يأخذه المسلم بحيلة من الكافر وهكذا. وتقسيم كل من الغنيمة والفيء ومصارفهما مفصل في فقه الجهاد.

وكان النبي e قد خرج وصحابته يوم بدر قاصدين أخذ عير قريش التي كان عليها أبو سفيان وكانت ألف بعير والمال خمسين ألف دينار (فتح الباري 7 / 286)، غنيمة يستغني بها المسلمون، ولكن شاء الله أن تهرب العير وأن يدركوا النفير، نفير قريش لاستنقاذ أموالهم، فكانت الموقعة ثم النصر والغنيمة، روى البخاري عن كعب بن مالك t قال: (لم أتخلف عن رسول الله في غزوة غزاها إلا في تبوك، غير أني تخلفت عن غزوة بدر ولم يعاتب أحد تخلف عنها، إنما خرج رسول الله e يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد) حديث3951.

ولهذا فإن الاعتماد على الموارد الذاتية يحمي المجاهدين من السقوط في أغلال التبعية لجهات التمويل والضغط، ويكفل لهم حرية واستقلال القرار.

 

^ ^ ^ ^ ^

 

 


تنبيه : الرد على شبهة (لا جهاد بلا إمام)

 

يثير البعض شبهة وهي كيف نجاهد وليس للمسلمين خليفة؟[356] وهي شبهة أوحى بها الشيطان للمخذلين والمثبطين عن الجهاد في هذا الزمان. قال تعالى: )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ` وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ( سورة الأنعام : (112 - 113) . ثم نقل هذه الشبهة آخرون بحسن نية جهلا منهم.

وفيما ذكرته آنفا في المسألة الرابعة (متى تؤول سلطة التأمير إلى الرعية؟) رد كاف على هذه الشبهة. وهو انه يجب على المسلمين أن يؤمروا أحدهم عليهم للجهاد في غياب الإمام، وهذا قول البخاري (كتاب الجهاد – باب من تأمر في الحرب باب من تأمَّر في ا لحرب بغير إمرة ج 6 ص 180). وقول ابن حجر والطحاوي وابن المنيّر وابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية كما ذكرته في أول الباب، وأقوالهم مثبتة في المسألة الرابعة السابقة. وعمدة هذه المسألة هو حديث غزوة مؤتة حيث أمَّر الصحابة خالدا عليهم لما قُتِل أمراؤهم وهم في غيبة عن الإمام (النبي e ) فرَضِيَ النبي e صنيعهم هذا. وهناك شبهة تثار حول الاستدلال بهذا الحديث وهو أنه في مؤتة كان الإمام غائبا أما الآن فهو معدوم؟ وسأرد على هذه الشبهة أيضا فيما يأتي إن شاء الله.

وهناك دليل آخر، وهو حديث عبادة بن الصامت "دعانا النبي e فَبَايَعْنَاهُ فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ قَالَ إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ" متفق عليه وهذا لفظ مسلم. فهاهو الخليفة أو الإمام قد كَفَر وسقطت ولايته. ويجب الخروج عليه وقتاله وعزله ونصب إمام عادل، وهذا واجب بإجماع الفقهاء كما نقل ذلك النووي وابن حجر (صحيح مسلم بشرح النووي ج 12 ص 229) و (فتح الباري ج 13ص7، 8، 123). فهل نقول لا نخرج على الحاكم الكافر إذ لا إمام، ومن أين لنا الإمام وقد كَفَر ووجب الخروج عليه، أم ننتظر إماماً مُغَيَّبا ونترك المسلمين لفتنة الكفر والفساد؟ أيقول بهذا مسلم؟ إن الحديث السابق فيه تصريح من النبي e بمقاتلة الإمام والخروج عليه إذا كَفَر. فنحن نسأل أصحاب هذه الشبهة كيف يُقاتِل المسلمون في هذه الحالة حيث لا إمام؟ والرد الشرعي هو أن يفعلوا كما فعل الصحابة في مؤتة فيؤمروا أحدهم.

وهذه الشبهة هي من صميم اعتقاد الشيعة وَرَدَ في العقيدة الطحاوية [(والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين....) قال الشارح: يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على الرافضة حيث قالوا: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الرضا من آل محمد، وينادي مناد من السماء: اتبعوه!! وبطلان هذا القول أظهر من أن يستدل عليه بدليل] (شرح العقيدة الطحاوية) طبع المكتب الإسلامي 1403هـ 437ص. ومع أن الشيعة خالفوا هذه العقيدة مع بَدء ثورة الخميني وهذا من أظهر الأدلة على فساد هذا الاعتقاد الذي مازال مكتوبا في كتبهم، فالعجيب هو أن تعلق هذه الشبهة ببعض المنتسبين إلى أهل السنة، قال رسول الله e : "لن يبرح هذا الدين قائما يُقاتِل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة" حديث جابر بن سَمُرة عند مسلم.

أليس "لن يبرح، ولا تزال" أفعال تفيد الاستمرار؟، أي استمرار القتال على الدين، ورسول الله e قد أشار إلى أنه سيأتي على المسلمين زمان لا يكون لهم فيه إمام، ومع ذلك فقد نص e على استمرار القتال. فالجهاد في سبيل الله لا يتوقف بسبب غياب الإمام، بل يؤمِّر المسلمون أحدَهم كما في حديث مؤتة، بل إن غياب الإمام هو من دوافع الجهاد لِنُصْبَة الإمام الذي يقيم الشريعة ويحوط الملة، وعلى كل مسلم في هذه الحالة أن يعتصم بهذه العصابة المذكورة في حديث جابر بن سَمُرة وهي الطائفة المنصورة.

وقد يظن البعض أنه لم يكن المسلمون بلا خليفة إلا في زماننا هذا، وهذا خطأ، بل قد مرت على المسلمين أزمنة لم يكن لهم فيها خليفة، ومن أشهر تلك الأزمنة السنوات الثلاث من 656 هـ (وفيها قَتَلَ التتار الخليفة العباس المستعصم ببغداد) إلى 659 هـ (وفيها بويع أول خليفة عباسي بمصر) البداية والنهاية 13/ 231 ، ورغم انعدام الإمام إذ ذاك فقد خاض المسلمون معركة هي من مفاخر المسلمين إلى اليوم وهي معركة عين جالوت ضد التتار في 658 هـ، حدث هذا في توافر أكابر العلماء كعز الدين بن عبد السلام وغيره ـ ولم يقل أحد كيف نجاهد وليس لنا خليفة؟، بل إن قائد المسلمين في هذه المعركة (سيف الدين قطز) كان قد نَصَبَ نفسه بنفسه سلطانا على مصر بعد أن عزل ابن أستاذه من السلطنة لكونه صبيا صغيرا، ورضي بذلك القضاة والعلماء وبايعوا قطزا سلطانا، وعَدَّ ابن كثير فعل قطز هذا نعمة من الله على المسلمين إذ ـ به ـ كسرَ الله شوكةَ التتار (البداية والنهاية 13/216)، كما عد ابن تيمية هذه الطوائف التي قاتلت التتار في تلك الأزمنة من الطائفة المنصورة، فقال (أما الطائفة بالشام ومصر ونحوهما فهم في هذا الوقت المقاتلون عن دين الإسلام وهم من أحق الناس دخولا في الطائفة المنصورة) مجموع الفتاوى 28/531.

وهذه القصة، من سيرة السلف الصالح فيها رد على شبهة (لا جهاد بلا إمام) بالإضافة إلى الأدلة النَّصَّية وهي حديث غزوة مؤتة وحديث عبادة بن الصامت فيما إذا كفر الإمام.

وهذه الشبهات سنة قدرية كانت ومازالت ولن تزال طالما وُجِدت طائفة مجاهدة قائمة بأمر الله ـ وهي باقية إلى نزول عيسى عليه السلام ـ قال e:"لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس " متفق عليه ، وقال تعالى: )يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ( سورة المائدة : (54).

وقد بشر رسول الله e المجاهدين بالظهور بأن المخذلين والمخالفين لن يضروهم، وإنما هي فتن تتميز بها الصفوف.


مسألة

(ما الموقف من تعدد الجماعات العاملة للإسلام؟)

 

إذا كان الواجب في هذا الزمان هو العمل الجماعي لنصرة الدين وليس الاعتزال، فما الموقف من تعدد الجماعات ومع مَنْ يعمل المسلم؟ سُئِلْت هذا السؤال غير مرة. وأُثْبِتُ هنا جوابي عنه لعموم الفائدة. قلت: أوجب الواجبات الشرعية في هذا الزمان هو الجهاد في سبيل الله تعالى نصرة لدين الله سبحانه وإنقاذا للأمة من المذلة والهوان، ولإقامة الخلافة الإسلامية تلك الفريضة التي يأثم المسلمون جميعا بغيابها لقول رسول الله e : "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" رواه مسلم عن ابن عمر، والمقصود بيعة الإمام لا غير انظر ص 170 في هذه الرسالة[357] ؟؟؟. وسيأتي الحديث عن الجهاد بشيء من التفصيل في مسألة (معالم أساسية في الجهاد) إن شاء الله. هذا هو الواجب الحق المُضَيَّق الوقت. وأي جماعة لا تعمل في هذا السبيل هي مُخْطِئة ومُقَصِّرَة وإن قامت ببعض واجبات الدين الأخرى انظر العقبة السادسة للشيطان: وهي شغل العبد بالأعمال المفضولة ص 13 نقلا عن مدارج السالكين 1/222 ـ 226.

فالواجب على المسلم أن ينصر الجماعة التي تجاهد في سبيل الله، أما الجماعات الأخرى فلا بأس بمعاونتها بشرطين: أحدهما: ألا يتخذ هذه المعاونة ذريعة للقعود عن الجهاد الواجب، وثانيهما: ألا تتعارض معاونته لهذه الجماعة مع عمله الجهادي. وعلى أن يستمر في نصحه لهم بوجوب الجهاد. قال تعالى: )وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ( سورة المائدة : (2).

والجماعات[358]التي تشتغل بالجهاد فيحرم تعددها، لأن الجهاد لا يقوم إلا بالشوكة والقوة، والتعدد يذهب بالشوكة.

وفي القول بمنع تعدد الجماعات ـ بل حرمته ـ أدلة كثيرة، منها قوله تعالى: )وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا( سورة آل عمران : (103) ، وقوله تعالى: )وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ( سورة آل عمران : (105) ، وقال رسول الله e: "لا ضرر ولا ضرار" رواه الدارقطني عن أبي سعيد، ورواه الحاكم عنه، وزاد فيه: "من ضَار ضره الله، ومن شَاقَّ شَقَّ الله عليه" [قلت: هذا الحديث اختلف في الحكم عليه، وهو مروي عن عدد من الصحابة، ذكر الزيلعي طرقه ولم يحكم عليه (نصب الراية ج 4 ص 384 ـ 386 )، أما الذين حكموا عليه، فمنهم من قال لم يصح مسندا وغنما هو مرسل كما رواه مالك عن يحيى المازني مرسلا، وممن قال بهذا أبو عمر بن عبد البر، ومنهم من قال هو حديث حسن لكثرة طرقه التي يقوي بعضها بعضا، قال هذا ابن الصلاح والنووي وابن رجب (جامع العلوم والحكم ص 266)، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم وأنكر الألباني عليه ذلك، ثم صححه الشيخ الألباني لكثرة طرقه وأشار إلى ما نقله المناوي في فيض القدير عن النووي وعن الحافظ العلائي (إرواء الغليل تخريخ أحاديث منار السبيل ج 3 ص 408 ـ 414 حديث 896)، قلت فأي ضرر أشد بالمسلمين وأعم من تفرقهم، وإذا كان المسلمين مفرقين بين عشرات الجماعات فكيف تتكون لهم قوة وشوكة يواجهون بها أعداءهم، وشوكة الإسلام لا تتكون إلا بالولاء الإيماني بموالاة المسلمين بعضهم بعضا، كما قال المولى جل وعلا: )وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ( سورة التوبة : (71). وتدبر هذه الآية تجد أن الله سبحانه قدَّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنهما من أركان الإسلام الخمس، ولعل السر في هذا أن الصلاة والزكاة يمكن للمسلم أداؤها منفردا أو في جمع قليل، أما الأمر والنهي فيلزمه قوة وشوكة لا تتم إلا بموالاة المؤمنين بعضهم بعضا ولما افتتحت الآية بذكر موالاة المؤمنين ناسب أن يتقدم الأمر والنهي على الصلاة والزكاة للتنبيه على أهمية الموالاة للقيام بالإمر والنهي، وهذا يشبه قوله تعالى: )وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ( سورة الأنفال : (73)، أي إن لم يوال المؤمنون بعضهم بعضا كما يفعل الكافرون تكن فتنة وفساد كبير، وذلك لأن الكافرين مجتمعين يواجهون المؤمنين فرادى فيقتلونهم ويعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ويُعْلُون أحكام الكفر فأي فتنة وفساد أعظم من هذا، وقد قال الله تعالى: )وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ( سورة البقرة : (251) ، فكيف تتأتى للمسلمين القوة اللازمة لدفع الكافرين وفسادهم والمسلمون متفرقون، فلا شك أن المسلمين بتفرقهم مسئولون عن قدر كبير من هذا الفساد، وقد قال الله تعالى: )وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ( سورة الشورى : (30).

فما العمل إذا كان التعدد واقعا؟ الذي أراه ـ والله تعالى أعلم ـ أن تُضَمَّ الجماعات الحديثة إلى الجماعة الأقدم، كذلك فإن الواجب على كل مسلم أن يعمل مع أقدم جماعة من المشتغلين بالجهاد وبيعة أي جماعة أحدث هي باطلة وإن جهلت بوجود الجماعة الأقدم، ودليلي في هذا حديث أبي هريرة مرفوعا "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، ولأنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم" متفق عليه ، وقد استندت فيما قلت إلى هذا الحديث، إذ إن سبب منع تعدد الأئمة هو سبب منعنا لتعدد الجماعات، وهو الحفاظ على وحدة المسلمين، وبَيَّنَ e هذا السبب في أكثر من حديث، منها ما رواه مسلم عن عرفجة مرفوعا "إنه ستكون هَنَاتٌ وهَنَاتٌ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان" ورَوَى أيضا مرفوعا "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه". وروى مسلم عن أبي سعيد مرفوعا "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما". فانظر إلى هذه الأحاديث التي أمرت بقتل الآخر ـ [إذا لم يندفع شره إلا بقتله] ـ فإنه يقتل وإن كان أفضل من الخليفة الأول، فإن ظهور الفاضل لا يُبْطل بيعة المفضول المنعقدة الماوردي ـ الأحكام السلطانية ص 8 ، وقتل الخليفة الآخر هو في ظاهره ضرر ومفسدة إذ إن قتل إنسان مستجمع لصفات الكمال مستحق لمرتبة الخلافة، ولكن ورد الأمر بارتكاب هذا لدفع ضرر هو أشد وهو تفريق كلمة المسلمين، مما يبين لك عظم قدر هذه المصلحة الشرعية ألا وهي الحفاظ على وحدة المسلمين. وهذا أحد الأمثلة التطبيقية لعدد من القواعد الفقهية منها قاعدة (يُتَحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام) وقاعدة (الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف) وقاعدة (إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررا ـ تُمنع ـ بارتكاب أخفهما) وقاعدة (يُختار أهون الشرين) شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا ـ طبعة 1403 هـ ـ قاعدة 25 ـ 28.

قال النووي في شرح حديث أبي هريرة السابق ["وستكون خلفاء فتكْثُر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول" قال: وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة لرسول الله e ، ومعنى هذا الحديث إذا بويع لخليفة بعد خليفة، فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه طلبها، وسواء عقدوا للثاني عالمين بعقد الأول أو جاهلين، وسواء كانا في بلدين أو بلد، أو أحدهما في بلد الإمام المنفصل والآخر في غيره، هذا هو الصواب الذي عليه أصحابنا وجماهير العلماء، وقيل تكون لمن عُقِدت له في بلد الإمام، وقيل يُقْرَع بينهم، وهذان فاسدان، واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد، سواء اتسعت دار الإسلام أم لا] (صحيح مسلم بشرح النووي) ج 12 ص 221، 222.

وقال الماوردي في الأحكام السلطانية: [ص 9:والصحيح في ذلك أن الإمامة لأسبقهما بيعة وعقدا].

قال أبو يعلى في الأحكام السلطانية: [ص 25: وإن كان العقد لكل واحد منهما على الانفراد نظرت، فإن عُلِمَ السابق منهما بَطل عقد الثاني].

من أجل هذا ذهبت إلى المنع من تعدد هذه الجماعات لما فيه من تشتيت لشمل المسلمين وإهدار لطاقاتهم وتحزيبهم وإثارة العداوة والبغضاء بينهم، وإذا أضفنا إلى هذا مخططات أعداء الإسلام اكتملت للمسلمين جميع مقومات الفشل، وهذا هو الواقع فعلا.

ولعل القارئ الكريم يلاحظ أنني لم أقل بمنع تعدد الجماعات قياسا على منع تعدد الخلفاء، إذ إن القياس لا يصح ها هنا لأن صفة الخليفة منتفية في حق أمراء الجماعات، وهذه الصفة هي عموم النظر في مصالح المسلمين، فهذا للخليفة دون غيره، ولهذا لم أُصَرِّح بالقياس لعدم اكتمال العلة. ولكني استندت إلى هذا الحديث "فوا ببيعة الأول فالأول" من ناحية اعتبار مقاصد الشريعة، أي مقصد الشارع من هذا الحكم، وهو ما يجب مراعاته في استنباط الأحكام فيما لا نص فيه، ومقصد الشارع من منع تعدد الخلفاء هو الحفاظ على وحدة الأمة، وهذا هو ما استندنا إليه في القول بمنع تعدد الجماعات ومن وجوب انضمام اللاحق إلى السابق، لما في التعدد من مفاسد لا تخفى على أحد، ويقول الشاطبي رحمه الله: [النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، كانت الأفعال موافقة أو مُخَالِفة أي مأذونا فيها أو منهيا عنها، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل أ هـ. وساق رحمه الله الأدلة الدالة على أن المآلات معتبرة في أصل المشروعية (الموافقات في أصول الشريعة) ط دار المعرفة ج 4 ص 194 ـ 198.

وما ذكرته سابقا في العمل عند تعدد الجماعات من وجوب انضمام اللاحق للسابق، والجديد للقديم أرى أن يكون أصلا يُعمل به، ولا يصح اعتبار صفة أخرى كالكثرة أو زيادة العلم فهذه صفات متغيرة، فالطائفة الكثيرة يمكن أن تقوم بعدها طائفة أكثر منها عددا، والطائفة التي تضم بعض العلماء يمكن أن تكون هناك أخرى مثلها أو تقوم بعدها، فهذه أوصاف متغيرة وقاعدة الشريعة الإتيان بما ينحصر وينضبط، ومن هنا قلنا إن العبرة بالأقدمية فهذا وصف ينحصر وينضبط، ويتفق مع فضيلة السبق والمبادرة كما في قوله تعالى: )لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا( سورة الحديد : (10)، على أن يكون الأقدم ذا أصول شرعية صحيحة راجع مسألة أصول الاعتصام بالكتاب والسنة في الإعداد الإيماني، وأن يكون صادقا في تنفيذها، وإذا اختُلِفَ في الأقدمية يُصَار إلى التحكيم. وهذا في سد لذريعة التحزب والتعدد الذي يذهب بشوكة المسلمين، ومحال أن تخلو الشريعة من حكم لمثل هذه المُلِمَّة، وقد قال تعالى: )فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ(سورة النساء : (59)، وهذه صيغة عموم تشمل كل ما يُتَنَازَع فيه.

هذا ما أراه في مسألة تعدد الجماعات في البلد الواحد خاصة، أما إذا تعدد البلدان فقد يكون هناك متسع لتعدد الجماعات العامة بقدر هذه البلدان، فقد قال النووي في صفة الطائفة المنصورة: [ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونوا متفرقين في أقطار الأرض] (صحيح مسلم بشرح النووي) ج 13 ص 67 ، فإذا تعددت الجماعات بتعدد البلدان ثم غلبت إحداها على بلد وصار منها إمام المسلمين، فيجب على كافة الجماعات الأخرى الدخول في طاعته والهجرة إليه لنصرته وشد أزره، قال أحمد بن حنبل: [ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما (الأحكام السلطانية) لأبي يعلى ص 23. وهذا الذي قاله الإمام أحمد نقل ابن بطال الإجماع عليه (فتح الباري) ج 13 ص 7.

قلت: فلا يصح تعدد الجماعات في ببلد واحد، ويحتمل التعدد بتعدد البلدان وإن كان الاتحاد هو الأولى، وإن حالت الأحوال دونه فليس أقل من أن تتعاون الجماعات في البلدان المتعددة في مجالات الخبرة وإعداد العدة، كذلك إذا كانت جماعة قد تحققت العجز عن التغيير ببلدها فعليها الهجرة قاله القاضي عياض، (صحيح مسلم بشرح النووي) ج 12 ص 229، وتهاجر لتساعد إخوانها بالبلد الذي يغلب على الظن نجاح التغيير الإسلامي فيه، إلا أن يأمرَ أميرُ هذه الطائفةِ القويةِ الطائفةَ العاجزةَ بالبقاء في بلدها لغرض شرعي صحيح من دعوة ونحوها، كما أمر النبي e أبا ذر بذلك رواه البخاري حديث 3861. وإذا غلبت جماعة على بلد من البلدان ونصبت إماما للمسلمين، وجب على الكل الهجرة إليه ونصرته وطاعته، هذا ما أراه والله أعلم بالصواب.

وغني عن الذكر أن القديم الذي يضم إليه شرطه أن يكون على الحق، مستمسكا بالشريعة عاملا بها مجاهدا من أجل ظهورها على الدين كله، ولا يدخل في هذا: الجماعات المتلاعبة بشرع الله كالتي تسعى إلى حكم الإسلام عن طريق الديمقراطية الشركية والبرلمانات العِلمانية وأشباه ذلك مما سقط فيه الكثيرون باسم الدعوة إلى الإسلام فَضَلّوا وأضَلّوا كثيرا من الناس واتبعوا خطوات الشيطان وهو )يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا( سورة النساء: (120) ، فأهدروا طاقات آلاف الشباب بجعلهم مستكينين مسالمين للحكام الطواغيت خلافا لما يقتضيه الشرع من وجوب قتالهم، فأي ضلال بعد هذا؟

^ ^ ^ ^ ^


(شبهة)[359]

يستدل البعض لإنكار جهاد الطلب بقوله تعالى: )وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا(سورة الأنفال : (61)، وأنه مادام الكافر مسالما فلا جهاد، ويستدلون بقول النبي e: "لاتتمنوا لقاء العدو" متفق عليه. وهذا هو حال الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، الذين يستدلون بأحد أدلة المسألة ويتركون بقية الأدلة كما ذكرته في الأصل الرابع من أصول الإعتصام بالكتاب والسنة. والجواب على هذه الشبهة من أوجه:

الأول: أن رسول الله e وصحابته الذين هم خير هذه الأمة رضي الله عنهم لم يحملوا هذه النصوص على الوجه الذي فهمه هؤلاء، بأنها تعني ترك جهاد الطلب فقد قاتل النبي e العرب ثم خرج لقتال الروم في تبوك، وقد غزا e تسع عشرة غزوة متفق عليه عن زيد بن أرقم، وقاتل بنفسه في ثمان منهن رواه مسلم عن بريدة أما البعوث والسرايا التي أرسلها ولم يخرج فيها فبلغت ستا وثلاثين في رواية ابن إسحاق وزاد غيره عن ذلك (فتح الباري 7/279 ـ 281) و(صحيح مسلم بشرح النووي 12/195). ثم غزا الصحابة من بعده e الفرس والروم والترك والقبط والبربر وغيرهم مما هو معلوم، فهذا الذي استدل بهذه النصوص لإبطال جهاد الطلب نقول له:

هذا الذي فهمته شيء فهمه النبي e وصحابته أم لا؟ فإن قال لم يفهموه. فنقول له فأنت فهمت ما لم يفهموه، وحكمت على نفسك بالضلالة وأن ما فهمته ليس من ديننا، لأن الدين اكتمل في حياته صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: )الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ( وفهمك هذا مردود ساقط "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ"، وقد خَرَجْتَ بهذا الفهم الفاسد عن هدي الرسول e وعن سبيل صحابته، قال تعالى: )وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا( سورة النساء : (115).

أما إن قال بل فهموا ما فهمه هو، فنقول له: قد كانت سيرتهم بخلاف هذا الفهم، فإما أنه الحق وهم خالفوه ولا يقول بهذا إلا زنديق، وإما أنه الباطل والضلالة فليس هو فهمهم ولا عملهم.

الثاني: أما قول الله تعالى: )وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا( سورة الأنفال: (61)، فستأتي أقوال السلف فيها في الفقرة (10)[360] .

الثالث: وأما قول النبي e: "لاتتمنوا لقاء العدو" فقد رواه البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى "أن رسول الله e في بعض أيامه التي لقي فيها، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس خطيبا فقال: أيها الناس لاتتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قال: اللهم منـزل الكتاب ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم" حديث 2965 و2966. قلت: واضح من نص الحديث أن النبي eقال في إحدى غزواته لقوله: (في بعض أيامه التي لقي فيها) أي العدو كما رواه مسلم، وقوله: "فإذا لقيتموهم فاصبروا" وقوله: "اهزمهم وانصرنا عليهم"، فكيف يستدل بهذا الحديث على ترك الجهاد وهو إنما قاله e في أثناء الغزو؟ ثم إن الحديث مشتمل على الحض على القتال والالتحام بالعدو، وذلك في قوله: "واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" ومعلوم أن المقاتل لا يكون تحت ظلال السيوف إلا عند الالتحام بعدوه حيث يعلو كل منهما صاحبه بسيفه (فتح الباري 6/33). فكونه e قال هذا الحديث أثناء توجهه للقتال، وكونه حض على القتال في نفس الحديث، يدل على أن النهي عن تمني العدو ليس على إطلاقه وإنما هو من جهة خاصة، وهي التحذير من العُجْب والوثوق بالقوة، وما أشار إليه ابن حجر في شرحه لهذا الحديث قال: [إنما نهى عن تمني لقاء العدو لما فيه صورة الإعجاب والإتكال على النفوس والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو، وكل ذلك يباين الاحتياط والأخذ بالحزم. وقيل: يحمل النهي على ما إذا وقع الشك في المصلحة أو حصول الضرر، وإلا فالقتال فضيلة وطاعة] (فتح الباري 6/156) ، وقال النووي مثله (صحيح مسلم بشرح النووي 12/45 ـ 46). قلت: ومما يدل على أن النهي عن تمني لقاء العدو ليس على إطلاقه، تمني أنس بن النضر t لقاء العدو بمحضر من رسول الله e ولم ينكر عليه، وذلك فيما رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك t قال: غاب عمي أنس بن النضر t عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتَلْتَ المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين لَيَرَيَن الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني أصحابه ـ وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني المشركين ـ ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد! قال سعد فما استطعت يا رسول الله ما صَنَعَ! قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قُتِلَ ومَثَّلَ به المشركون، فما عَرَفه أحد إلا أخته بِبَنَانه. قال أنس: كنا نرى ـ أو نظن ـ أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: )مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ( أ هـ. قلت فهذا الصحابي الجليل تمنى لقاء العدو، وصدق الله في ذلك، وبهذا ترى أن النهي عن تمني لقاء العدو إنما هو من جهة العُجْب والفخر وهما مذمومان، وبهذا ترى فساد هذه الشبهة التي يتعلل بها بعض الزائغين لإنكار جهاد الطلب الذي جعله الله تعالى وسيلة لإظهار الدين، قال تعالى: )وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ( سورة الأنفال : (39) ، وقال تعالى: )لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ(سورة التوبة: (33) سورة الصف: (9)، وقال تعالى: )حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ(سورة التوبة : (29). قال ابن القيم رحمه الله: [والمقصود من الجهاد إنما أن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله] وقال: [فإن من كون الدين كله لله إذلال الكفر وأهله وصغاره وضرب الجزية على رؤوس أهله والرق على رقابهم، فهذا من دين الله، ولا يناقض هذا إلا ترك الكفار على عِزِّهم وإقامة دينهم كما يحبون بحيث تكون لهم الشوكة والكلمة] (أحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 18).

قلت: ولا تناقض بين ما سبق وبين قوله تعالى: )لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ( سورة البقرة : (256)، فالقتال واجب حتى تكون كلمة الله هي العليا ولا يتأتى ذلك إلا بغلبة المسلمين لعدوهم وعلو أحكام الإسلام على البلاد المفتوحة، أم عن أهل هذه البلاد فمن أسلم فيها ونعمت، ومن استمر على كفره فلا يُكره على اعتناق الإسلام، بل يبقى على كفره ولكن تحت حكم المسلمين، فالإكراه المنفي في سورة البقرة )لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ( هو الإكراه على الإيمان، أما الكراهة المثبتة في آية التوبة )لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ( فهي كراهيتهم لعلو حكم الإسلام عليهم مع بقائهم على دينهم.

وقد تقرر في الشريعة قَبول الجزية من أهل الكتاب ومَنْ في حكمهم )حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ( ولا يكرهون على الإسلام، أما عَبَدَة الأوثان ففي قبول الجزية منهم خلاف وراجع تفسير )لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ(في تفسير ابن كثير.

قلت: وينبغي أن يعلم المسلم أن الإيمان يكون جهاد الطلب واجبا على المسلمين معناه مصادمة القوانين الدولية المعاصرة التي تحرم اعتداء الدول بعضها على بعض وتمنع امتلاك أراضي الأرض الغير بالقوة، هذه القوانين التي يتحايل عليها الأقوياء الذين وضعوها. ولكن قال الله تعالى: )فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ( سورة المائدة: (44) وقال تعالى: )وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ(سورة الحج : (40) ، وهذه الأحكام كلها منوطة بالقدرة والاستطاعة.

وهذه الاستطاعة يجب تحصيلها حين العجز لتحقيق هذه الواجبات، قال تعالى: )وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ( سورة الأنفال: (60).

ولا يمنع المسلمين من الجهاد إلا العجز، ويجب الإعداد حينئذ :

وذلك لقوله تعالى: )فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ( سورة محمد : (35)، فما دامت بالمسلمين قوة وكانوا أعلى من عدوهم فلا سِلْم ولا هدنة ولا صلح، بل القتال حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. وذلك لأن آخر ما نزل في الجهاد هو قوله تعالى: )فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ( سورة التوبة : (5) ، فهذه الآية وآية الجزية بنفس الصورة أمر بالقتال العام، وهو من أواخر ما أنزل من القرآن، فلا ناسخ له، روى البخاري عن البراء t قال: (آخر سورة نزلت براءة) حديث: 4654.

وهكذا فَعَل النبي e والخلفاء من بعده في قتال المشركين وأهل الكتاب كما يأتي في الفقرة (13)[361]، ولا يمنع من هذا إلا العجز ولذلك ترى الكافرين يجتهدون في منع المسلمين من حيازة السلام، كما قال تعالى: )وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً( سورة النساء : (102). وقد كررت في هذه الرسالة أنه إذا منع من الجهاد عجزٌ وَجَب الاستعداد، للآية )وَأَعِدُّوا لَهُمْ(، وهكذا قال ابن تيمية رحمه الله (مجموع الفتاوى 28 / 259).

مما سبق تعلم أن الأصل في العلاقة بين المسلمين والكافرين هو القتال وأن الإستثناء منه هو السلم في صورة هدنة أو صلح وأنه لا يلجأ إلى هذا الاستثناء إلا لضرورة من عجز ونحوه، وذلك لقوله تعالى: )فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ( سورة محمد : (35).

أما الآية المحتج بها فلا حجة فيها إذ إنها محمولة على جواز المسالمة بشرط حاجة المسلمين لذلك وهذا الشرط تبينه الآية الأولى )فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ(سورة محمد : (35)، فآية الأنفال تختص بحال وهو كون المسالمة في مصلحة المسلمين ويحتاجون إليها، أما آية سورة محمد e فهي تختص بحال آخر وهو كون المسالمة ليست في مصلحة المسلمين وذلك عندما تكون بهم قوة يقهرون بها عدوهم فإنه لا توجد المسالمة حينئذ لهذه الآية ولأن في هذا عدول عن الأصل المطلوب وهو إظهار دين الإسلام على ماعداه، لقوله تعالى: )وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ( سورة الأنفال : (39) ، وقوله تعالى: )لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ( سورة التوبة : (33)، هذا هو الأصل المقصود: إظهار الإسلام بقتال المشركين فإما أن يسلموا ويعودوا إلى العبودية لله رب العالمين، وإما أن يظلوا على كفرهم مؤدين الجزية تحت حكم الإسلام يجري عليهم الصغار اللازم لكل من تمرد على العبودية للواحد القهار، قال تعالى: )حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ( سورة التوبة: (29)، وقال تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ( سورة المجادلة: (20) .

قال ابن كثير في تفسير آية الأنفال )وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا(سورة الأنفال : (61)، قال: [قال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخرساني وعكرمة والحسن وقتادة إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة )قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ( الآية، وفيه نظر أيضا، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي e يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص والله أعلم]أهـ.

وقال ابن حجر في نفس الآية )وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا( قال: [هذه الآية دالة على مشروعية المصالحة مع المشركين ـ إلى قوله ـ ومعنى الشرط في الآية أن الأمر بالصلح مقيد بما إذا كان الأحظ للإسلام المصالحة، أما إذا كان الإسلام ظاهرا على الكفر ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا] فتح الباري 6 / 275 و276. فالآية المحتج بها دالة على مشروعية المسالمة عند الحاجة لا وجوب المسالمة.

قلت: ولا ينبغي أن يفهم مما سبق أن الإسلام لا يدعو إلى السلام، بل يدعو إليه ولكن من منظوره الخاص، بل هو يريد هذا بجميع الخلق، قال تعالى: )وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ( سورة الأنبياء : (107). وقال تعالى: )اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ( سورة البقرة : ( 257)، وقال تعالى: )وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا( سورة الأعراف: (56 - 185)، وقال تعالى: )إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ( سورة النحل : (90). هذا هو السلام في مفهوم الإسلام: الرحمة بالخلق وإخراجهم من الظلمات إلى النور والحض على مكارم الأخلاق وتحريرهم من العبودية للبشر )وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ( سورة آل عمران : (64)، والنهي عن الفساد في الأرض. فما لم يتحقق هذا وجب الجهاد )حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ(.

 

^ ^ ^ ^ ^


والمسلمون أمة واحدة، والمسلم أخو المسلم وإن تباعدت ديارهما،

ولكل حق النصرة

 

قال الله تعالى:)إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ(، وقال رسول الله e : "المسلم أخو المسلم" متفق عليه، وقال رسول الله e : "المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " رواه مسلم عن النعمان بن بشير.

ولا تفاضل بين المسلمين إلا بالتقوى والعمل الصالح، قال الله تعالى: )إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ( سورة الحجرات : (13)، وقال رسول الله e : "لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب" رواه أحمد، وصححه الألباني في شرح العقيدة الطحاوية وصحيح الجامع الصغير 1780.

والنصرة حق لكل مسلم على أخيه المسلم وإن تباعدت ديارهما، قال رسول الله e : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلِمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة رواه البخاري عن ابن عمر، وروى مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يَخْذُله" فيجب على كل مسلم نصرة إخوانه المجاهدين وإن تباعدت الديار بحسب استطاعته، ولا يخذله أمام عدوه، ولا يسلمه لعدوه. كما قال القرطبي: [إنه يجب نفير الكل وذلك إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار أو بحلوله بالعُقْر، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا، شبابا وشيوخا، كل على قدر طاقته، من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج، من مُقَاتِل أو مُكَثِّر. فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم. وكذلك بكل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم] تفسير القرطبي 8 / 151.

وقال ابن عابدين: [وفرض عين إن هجم العدو على ثغر من ثغور الإسلام فيصير فرض عين على من قرب منه، فأما من وراءهم ببُعد من العدو فهو فرض كفاية إذا لم يُحْتَجْ إليهم، فإن احتِيج إليهم بأن عجز من كان من قرب العدو عن المقاومة مع العدو أو لم يعجزوا عنها ولكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا فإنه يفترض على من يليهم فرض عين كالصلاة والصوم لا يسعهم تركه، وثُمَّ وثُمَّ إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا على هذا التدريج]أهـ حاشية ابن عابدين 3 / 238، وعلى هذا القول فقهاء المذاهب الأربعة.

قلت: ومن هذا ترى أن الرابطة الشرعية التي تربط بين المسلمين هي رابطة الإنتماء لدين الإسلام، ولهذه الرابطة تبعات كالتعاون والتعاطف والنصرة وغيرها. ولإضعاف هذه الرابطة الشرعية وبالتالي تفتيت وحدة المسلمين وتفريق شملهم اخترع الكافرون روابط بديلة:

كرابطة الأرض)الوطن(، وهي ما تسمى بالرابطة الوطنية، وتفضي بانتماء الناس لبلدهم وعدم التفريق بينهم على أساس دياناتهم، وتقضي هذه الرابطة بأم مصلحة الوطن مقدمة على كل شيء، وهذا باطل شرعا، فلا ينبغي أن يكون انتماء المسلم وولاءه لقطعة أرض، لأنه قد يجب عليه في وقت ما هجرة هذه الأرض في سبيل الله، بل قد تَوَعَّد الله سبحانه من قدَّم حب الوطن على ما فيه رضا الله ورسوله e في قوله تعالى: )قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ( سورة التوبة : (24)، فرابطة الوطن هي المشار إليها في قوله تعالى: )وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا(. وقال النبي e : "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" رواه أبو داود عن جرير وصححه الألباني.

وتقضي الرابطة الوطنية بالمساواة بين المسلم وغير المسلم في البلد الواحد وهذا منكر، قال e : "الإسلام يَعْلو ولا يُعْلى" رواه الدارقطني عن عائذ بن عمرو، وحسنه الألباني، كما تقضي الرابطة الوطنية بأن المسلم من غير أبناء البلد أجنبي عن المسلم فيه، وهذا من أنكر المنكرات فالمسلم أخو المسلم وإن تباعدت ديارهما.

ومن الروابط الجاهلية، رابطة القومية، وهي الإنتماء لجنس معين وقوم بأعينهم، يغضب لهم المرء ويقاتل من أجلهم ويعلى هذه الرابطة على ما سواها، وهذه هي دعوى الجاهلية التي قال فيها رسول الله e : "دعوها فإنها خبيثة" رواه البخاري عن جابر ، وحَكَم e على أن من قاتل من أجلها بأن "ميتته ميتة جاهلية" رواه مسلم، وهذه الرابطة القومية هي المشار إليها في آية التوبة السابقة بقوله تعالى: )وَعَشِيرَتُكُمْ( وفيها الوعيد على من قدمها على مرضاة الله ورسوله e . وقد ضرب الله سبحانه لنا مثلا بأنبيائه لما تبرأوا من أقوامهم الكافرين، قال تعالى: )قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ( سورة هود : (46)، وقال تعالى: )قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ( سورة الممتحنة : (4). وهذه الآيات تبين أن الرابطة الشرعية هي الإيمان بالله وحده ولا اعتبار لأي رابطة سواها، فالموالاة والمعاداة متعلقتان بالإيمان )حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ(.

ومن الروابط الجاهلية رابطة اللغة الواحدة أو اللون أو المصالح المشتركة وهي المذمومة في قوله تعالى: )وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا( سورة التوبة : (24)، كل هذه الروابط لا اعتبار لها خاصة عندما تتعارض مع ما تقتضيه أحكام الشريعة. وما أُبْرِزَت هذه الروابط إلا بأيدي الكافرين لتفريق المسلمين وإشعال العداوات بينهم، وهو ما حذرنا الله تعالى منه بقوله: )يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ـ إلى قوله تعالى ـ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ـ إلى قوله تعالى ـ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ( سورة آل عمران : (100 - 105)، وقال تعالى: )إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ( سورة آل عمران : (149).

المقصد مما سبق: أن يعلم المسلم أن الموالاة والنصرة والبذل كل هذا يتعلق بالرابطة الإيمانية فقط، ولا اعتبار لأي رابطة أخرى من روابط الجاهلية في هذا المقام، فيحرم على المسلم أن يوالي أو يُقَاتِل على مثل هذه الروابط. وأن المسلم في أقصى المشرق هو أخو المسلم في أقصى المغرب وإن اختلف لونه أو قومه أو لغته، ونصرته ومعاونته في الحق واجبة قدر الإستطاعة.

 

^ ^ ^ ^ ^

 

 


ويجب البدء بقتال العدو الأقرب[362].

 

لقول الله تعالى: )يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ(. قال ابن قدامة: [مسألة "ويقاتل كل قوم من يليهم من العدو": والأصل في هذا قول الله تعالى: )يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ(، ولأن الأقرب أكثر ضررا، وفي قتاله دفع ضرره عن المقابِل له وعمن وراءه، والاشتغال بالبعيد عنه يُمَكِّنه من انتهاز الفرصة في المسلمين لإشتغالهم عنه ـ إلى أن قال ـ إذا ثبت هذا فإن كان له عذر في البداية بالأبعد لكونه أخوف أو المصلحة في البداية به لقربه وإمكان الفرصة منه، أو لكون الأقرب مهادنا أو يمنع من قتاله مانع فلا بأس بالبداية بالأبعد لكونه موضع حاجة] أهـ المغني والشرح الكبير ج 10 ص 372 ـ 373.


1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 |


آٌه ىàٍهًèàëû ïًهنٌٍàâëهييûه يà ٌàéٍه èٌêë‏÷èٍهëüيî ٌ ِهëü‏ îçيàêîىëهيèے ÷èٍàٍهëےىè è يه ïًهٌëهنَ‏ٍ êîىىهً÷هٌêèُ ِهëهé èëè يàًَّهيèه àâٍîًٌêèُ ïًàâ. رٍَنàëë.خًم (0.043 ٌهê.)